10/08/2026
الطفل الذي يعيش وسط القلق والصوت العالي والعصبية وردود الأفعال غير المتوقعة لا يتعلم فقط أن "الكبار يغضبون"، بل قد يتعلم جهازه العصبي شيئًا أعمق وهو أن البيئة لا يمكن توقعها، وأن عليه أن يبقى مستعدًا للخطر..
فالطفل، خصوصًا في سنواته الأولى، لا يمتلك بعد القدرة الكاملة على تنظيم انفعالاته بنفسه.. عندما يخاف أو يتوتر، يحتاج إلى راشد يساعده على العودة إلى الهدوء. قبل أن يتعلم الطفل تنظيم نفسه، يُنظَّم داخل العلاقة، يستعير هدوء الآخر، ونبرة صوته، واحتواءه، واستجابته المتوقعة، ثم يبني تدريجيًا قدرته الخاصة على التهدئة والتنظيم..
وهنا نفهم عمق ما تحدث عنه السيد وينيكوت عندما وصف "البيئة الحاضنة"..فالطفل لا يحتاج فقط إلى الطعام والحماية والحب، وإنما يحتاج أيضًا إلى بيئة يستطيع أن يوجد داخلها دون أن يظل منشغلًا بالدفاع عن نفسه.. يحتاج إلى قدر معقول من الثبات، أن يعرف أن الخطأ لا يعني فقدان الحب، وأن غضب الأم أو الأب لا يعني انهيار العلاقة، وأن الحدود يمكن أن توضع دون إذلال أو ترهيب..
أما عندما يصبح مزاج الراشد غير قابل للتوقع، فإن الطفل يبدأ في تعلم شيء مختلف.. إذا كان الفعل نفسه يُقابل اليوم بهدوء وغدًا بانفجار، وإذا كان الطفل لا يعرف متى سيعلو الصوت ولا متى سيبدأ الغضب، فقد يتحول انتباهه من اكتشاف العالم إلى مراقبة الشخص الذي يفترض أن يمنحه الأمان.. يصبح خبيرًا في قراءة الوجوه، وتغير نبرة الصوت، ووقع الخطوات، وطريقة إغلاق الباب، والصمت المفاجئ.. وقد يسأل باستمرار: "هل أنت غاضب مني؟" ليس لأنه بالضرورة طفل "شديد الحساسية"، بل لأن معرفة الحالة الانفعالية للراشد أصبحت بالنسبة إليه وسيلة لمعرفة مستوى الأمان..
هنا يمكن أن يظهر ما يسمى بفرط اليقظة Hypervigilance..عندما يلتقط الجهاز العصبي إشارات التهديد، تبدأ استجابة الضغط، يتغير التنفس والنبض، وترتفع حالة الاستثارة، وتشارك منظومات عصبية وهرمونية، ومنها محور الوطاء–النخامى–الكظر HPA، في تجهيز الجسم للتعامل مع الخطر.. قد يقاتل الطفل، أو يحاول الهرب، أو يتجمد.. وقد يفعل شيئًا أقل وضوحًا بكثير وهو أن يتكيف مع مزاج الراشد..
ويلتقي هذا مع نظرية التعلق عند جون بوليي.. فالطفل عندما يخاف يبحث بصورة طبيعية عن مقدم الرعاية باعتباره "قاعدة آمنة" يعود إليها.. لكن المشكلة تصبح أكثر تعقيدًا عندما يكون الشخص الذي يُفترض أن يهدئ خوف الطفل هو نفسه مصدر الخوف.. يصبح الطفل أمام مفارقة مؤلمة وهي أريد الاقتراب منك لأنني خائف، لكنني أخاف منك أيضًا..
ولا يعني ذلك أن كل صراخ يسبب صدمة، أو أن على الوالدين ألا يغضبوا أبدًا.. هذه صورة غير واقعية عن التربية.. الضغط ليس ضارًا دائمًا، والإحباط المحتمل جزء طبيعي من النمو.. الخطورة ترتفع عندما يكون الضغط شديدًا أو متكررًا أو طويلًا، وخاصة عندما يغيب الراشد الداعم الذي يساعد الطفل على العودة إلى التوازن.. لذلك فالمشكلة ليست وجود الغضب، بل أن يصبح الخوف وعدم القدرة على التنبؤ هما المناخ المعتاد للعلاقة..
الطفل الذي لا يعرف متى سيأتي الانفجار، ولا لماذا حدث، ولا متى سينتهي، فقد يتعلم جسده أن الهدوء ليس بالضرورة أمانًا، بل ربما يكون مجرد الفترة التي تسبق العاصفة..
وقد يكبر هذا الطفل ويغادر البيت الذي عاش فيه، لكن بعض أنماط الاستجابة التي تعلمها قد تستمر.. يتغير صوت شخص أمامه قليلًا فيتوتر، يتأخر الشريك في الرد فيبدأ القلق، يرى وجهًا عابسًا فيسأل فورًا: "هل أنت غاضب مني؟"، أو يتحول خلاف بسيط إلى شعور داخلي بأن العلاقة كلها مهددة.. يبدو رد الفعل أحيانًا أكبر من الموقف الحالي، لأن الجهاز العصبي تعلم سابقًا أن إشارات صغيرة كهذه قد تسبق شيئًا أكبر..
لهذا، عندما نربي طفلًا، فنحن لا نعلّمه فقط كيف يأكل ويتحدث ويلتزم بالقواعد، نحن نشارك أيضًا في تشكيل توقعاته عن العلاقات والعالم..
شيء هل الآخر مكان يمكن الاحتماء به أم شخص يجب مراقبته؟ هل يمكنني أن أغضب دون أن أفقد الحب؟ هل يمكنني أن أخطئ دون أن أشعر بأن وجودي كله مرفوض؟ وهل العالم مكان أستطيع أن أسترخي فيه، أم مكان يجب أن أبقى فيه متيقظًا؟
فالطفل لا يتعلم الأمان عندما نقول له باستمرار"لا تخف"..يتعلمه عندما يخاف ثم يجد شخصًا قادرًا على استيعاب خوفه ومساعدته على العودة إلى الهدوء..
الطفل يتعلم الأمان داخل العلاقة..