التحليل النفسي مع منال

التحليل النفسي مع منال Informations de contact, plan et itinéraire, formulaire de contact, heures d'ouverture, services, évaluations, photos, vidéos et annonces de التحليل النفسي مع منال, Psychothérapeute, Algiers.

محللة نفسية تحت التكوين..
مهتمة بالتحليل النفسي الكلاسيكي وفكر فرويد..
أعمل على فهم ديناميكيات اللاوعي، الصدمات المبكرة، وأنماط التعلق التي تشكل حياتنا وعلاقاتنا..

12/09/2026

Kadim Al Sahir كاظم الساهر

بعيدًا عن عزيزي فرويد، وعن التحليل النفسي، وعن اللاوعي والأحلام والطفولة والصدمات والتعافي…
دعوني اليوم أشارككم جزءًا من طفولتي أنا..دعوني أُعرفكم على سيارة أبي وكاظم الساهر ..

اليوم هو عيد ميلاد كاظم الساهر، فلا أستطيع أن أمرّ على هذا اليوم وكأنه مجرد تاريخ ميلاد لفنان أحب أغانيه..

من يعرفني حقًا، يعرف أن هذا الرجل لم يكن يومًا بالنسبة إليّ مجرد مطرب..

كان جزءًا من البيت، من الذاكرة، من سنوات الطفولة والمراهقة، من تلك النسخة الأولى من منال التي كانت تتشكل بهدوء قبل أن تعرف أصلًا ماذا ستصبح يومًا..

كبرت وأنا أسمعه..كبرت على صوته، وعلى الكلمات التي جعلتني أكتشف مبكرًا أن اللغة يمكن أن تكون جميلة إلى هذا الحد، وأن الحب يمكن أن يُقال بألف طريقة، وأن الحزن حين يجد موسيقاه يصبح أقل وحشة..

كانت أغانيه تمرّ معي من مرحلة إلى أخرى، حتى أصبحت بعض الألحان مرتبطة في ذاكرتي بأماكن وفصول كاملة من حياتي.. يكفي أحيانًا أن تبدأ مقدمة أغنية قديمة حتى تعود سنوات بكاملها… بتفاصيلها، برائحتها، وبالفتاة التي كنتها آنذاك..

وربما لهذا يصعب عليّ أن أتكلم عن كاظم بموضوعية..

أنا لا أسمع صوته فقط… أنا أسمع معه شيئًا من عمري..

هناك فنانون نحبهم، وهناك فنانون يصبحون، من دون أن ننتبه، جزءًا من تكويننا الوجداني.. يعلّموننا الذائقة، يوسّعون لغتنا، ويتركون داخلنا طريقة معينة لفهم الجمال والحب والاشتياق..

وكاظم بالنسبة إليّ هو كل هؤلاء..

بل أستطيع أن أقول، دون مبالغة، إنه كان إحدى الركائز التي ساهمت في صناعة شخصيتي وذائقتي، وفي علاقتي بالكلمة والموسيقى والشعر والجمال..

تغيّرت أشياء كثيرة في حياتي، وكبرت منال وتبدلت اهتماماتها، ومرّت بمراحل ووجوه ومدن وأفكار كثيرة… لكن شيئًا واحدًا بقي ثابتًا:

حين يغني كاظم، أنكصُ فورًا، وأعود إلى ذلك الجزء القديم مني..

الطفلة التي كانت تسمع..والمراهقة التي كانت تحفظ..والمرأة التي أصبحت اليوم قادرة على أن تفهم لماذا بقي كل ذلك معها إلى الآن..

في عيد ميلاده، لا أملك أمنية مختلفة كثيرًا عن تلك التي أرددها كل عام:
أتمنى أن يبقى بخير، وأن تطول به السنوات، وأن يظل صوته موجودًا في هذا العالم طويلًا…فبعض الأصوات لا ترافق أعمارنا فقط، بعضها يصبح جزءًا منها..

كل عام وأنت بخير يا قيصر…
وكل عام وأنت جزء جميل وثابت من حكايتي.. 🤍

09/09/2026

الميكانيزم الدفاعي ليس كذبة تقولها النفس، بل حقيقة لا تستطيع أن تحتمل معرفتها كاملة..

 صديقنا اليوم هو رجل لم يغادر بيت فرويد كما فعل من ذكرناهم سابقا، ولم يؤسس مدرسة منفصلة تحمل اسمه، لكنه فعل شيئًا ربما ك...
08/09/2026



صديقنا اليوم هو رجل لم يغادر بيت فرويد كما فعل من ذكرناهم سابقا، ولم يؤسس مدرسة منفصلة تحمل اسمه، لكنه فعل شيئًا ربما كان أكثر إرباكًا للحركة التحليلية في زمنه: بقي داخل التحليل النفسي، ثم بدأ يغيّر الطريقة التي يُمارَس بها من الداخل..

رحل اليوم هو ومدرسة بودابست..

وُلد Sándor Ferenczi في 7 يوليو 1873 في مدينة Miskolc شمال شرقي المجر، في أسرة يهودية ليبرالية ذات أصول بولندية وغاليسية.. كان والده Bernát Fränkel صاحب مكتبة ودار نشر لعبتا دورًا مهمًا في الحياة الثقافية للمدينة، وكان الأدباء والفنانون والمثقفون يترددون عليهما.. وفي سنة 1879 جرى تحويل اسم العائلة من Fränkel إلى Ferenczi بصيغته المجرية.. مات والده عندما كان ساندور في الخامسة عشرة تقريبًا، فتولت والدته إدارة العمل العائلي..

نشأ إذن في بيئة كان فيها الكتاب والثقافة والنقاش جزءًا من الحياة اليومية، ثم انتقل إلى فيينا لدراسة الطب..

وهنا توجد ملاحظة توثيقية صغيرة أحب أن أذكرها وهي : تذكر كثير من السير أن فيرينتسي حصل على شهادته الطبية سنة 1894، بينما تشير دراسة للسجلات الجامعية إلى أنه ظل مسجلًا في جامعة فيينا حتى سنة 1895، كما تذكر إحدى صفحات أرشيف Freud Museum سنة 1896.. لذلك فالأكثر أمانًا تاريخيًا هو القول إنه أنهى تكوينه الطبي في منتصف تسعينيات القرن التاسع عشر، قبل أن ينتقل إلى بودابست ويعمل في عدد من المستشفيات في مجالي الأعصاب والطب النفسي..

وفي بودابست لم يعمل منذ البداية مع مرضى ينتمون إلى الطبقات المريحة أو الحالات السهلة.. اشتغل في مؤسسات طبية كان من بين مرضاها فقراء وأشخاص يعيشون على هامش المجتمع، ثم افتتح عيادته الخاصة في مطلع القرن العشرين، وكتب بكثافة في الدوريات الطبية المجرية..

وهذا الجانب من شخصيته سيبقى مهمًا فيما بعد، حيث كان فيرينتسي شديد الاهتمام بالمرضى الذين يعجز العلاج التقليدي عن مساعدتهم، وبالحالات التي تُوصف بأنها "صعبة"، وهي الفئة نفسها تقريبًا التي ستدفعه بعد سنوات إلى إعادة التفكير في حدود التقنية التحليلية..

تعرف إلى أعمال التحليل النفسي بصورة أكثر جدية في السنوات الأولى من القرن العشرين، والتقى Carl Jung سنة 1907، ثم التقى Sigmund Freud سنة 1908..

ومن هنا بدأت واحدة من أكثر العلاقات كثافة في تاريخ الحركة التحليلية..

لم يكن فيرينتسي بالنسبة إلى فرويد مجرد تلميذ بعيد.. أصبح صديقًا ومقربًا ومتعاونًا، وتبادلا مئات الرسائل على امتداد نحو ربع قرن.. وفي سنة 1909 رافق فرويد ويونغ إلى الولايات المتحدة في الرحلة الشهيرة إلى Clark University، ثم أصبح واحدًا من أعضاء الدائرة الداخلية التي تشكلت حول فرويد للحفاظ على وحدة الحركة التحليلية بعد الانشقاقات المبكرة.. كما خضع بنفسه لتحليل لدى فرويد بصورة متقطعة بين 1914 و1916..

لكن فيرينتسي لم يكن مجرد مروّج لأفكار فرويد..
منذ بداياته كان ينتج مفاهيمه الخاصة..
ففي سنة 1909 نشر دراسته المهمة:
Introjection and Transference ــ الاستدخال والتحويل
وفيها أدخل إلى اللغة التحليلية مفهوم Introjection ــ الاستدخال..

بصورة مبسطة، يشير الاستدخال عنده إلى العملية التي يوسّع بها الشخص عالمه النفسي ليضم داخله عناصر من علاقته بموضوعاته الخارجية.. وقد أصبح هذا المفهوم لاحقًا جزءًا أساسيًا من اللغة التحليلية، وسيأخذ حياة نظرية أوسع كثيرًا عند مدارس علاقات الموضوع وكلاين وغيرها..

وفي سنة 1913 نشر عمله حول مراحل تطور الإحساس بالواقع Stages in the Development of the Sense of Reality، وكان من النصوص التي حاول من خلالها فهم انتقال الطفل من عالم تهيمن عليه خبرة القدرة الكلية والإشباع إلى الاعتراف التدريجي بواقع مستقل لا يخضع لرغبته بالكامل..

وفي السنة نفسها، 1913، أسس في بودابست الجمعية المجرية للتحليل النفسي Hungarian Psychoanalytic Society..

ومن حوله أخذ يتشكل تدريجيًا ما سيُعرف باسم:
Budapest School ــ مدرسة بودابست للتحليل النفسي..
والدقة هنا مهمة..
لم تكن مدرسة بودابست "مذهبًا" مغلقًا بمجموعة ثابتة من العقائد مثلما قد نفهم كلمة مدرسة اليوم، بل كانت أقرب إلى اتجاه فكري وسريري مشترك تجمع حول فيرينتسي في المجر، ثم حمله عدد من تلامذته معهم عندما هاجروا إلى بلدان أخرى.. ولهذا يصفها مؤرخو التحليل أحيانًا بأنها تقليد أو توجه أكثر من كونها مدرسة ذات نظرية واحدة..

ومن أبرز الأسماء التي ارتبطت بها:

Michael Balint، Alice Balint، Imre Hermann، Vilma Kovács، István Hollós، Géza Róheim، Edit Gyömrői وغيرهم..

وكان فيرينتسي أيضًا محلل Melanie Klein خلال وجودها في بودابست، وهي حقيقة مهمة لأن بعض الخيوط التي ستظهر لاحقًا في المدرسة البريطانية وعلاقات الموضوع تمر تاريخيًا عبر هذا الوسط المجري..

وخلال الحرب العالمية الأولى خدم فيرينتسي طبيبًا عسكريًا وعمل مع جنود يعانون ما كان يسمى آنذاك Shell Shock، أي الصدمة المرتبطة بالحرب.. وقد أضافت هذه الخبرة إلى اهتمامه المتزايد بالصدمة وبما يمكن أن تفعله الأحداث الفعلية بالجهاز النفسي..

وفي سنة 1918 أصبح رئيسًا للجمعية الدولية للتحليل النفسي IPA، لكنه ترك المنصب في العام التالي وسط الاضطرابات السياسية التي كانت تمر بها المجر..

وكانت بودابست آنذاك قد أصبحت مركزًا مهمًا جدًا للتحليل النفسي إلى درجة أن فرويد نفسه رأى فيها في سنة 1918 مركزًا محتملاً للحركة التحليلية الأوروبية..

ثم حدث تطور استثنائي سنة 1919..

فخلال الفترة القصيرة للجمهورية السوفيتية المجرية، أُنشئ في كلية الطب بجامعة بودابست أول قسم جامعي مخصص للتحليل النفسي في العالم، وتولى فيرينتسي قيادته.. لم يعش المشروع طويلًا بسبب الانقلاب السياسي السريع الذي شهدته البلاد، لكنه بقي محطة لافتة جدًا في تاريخ دخول التحليل النفسي إلى الجامعة..

لكن أهم ما سيجعل فيرينتسي مختلفًا عن كثير من معاصريه لم يكن نشاطه المؤسسي..

كان ما يحدث داخل غرفة العلاج..

مع بداية العشرينيات أصبح أكثر انشغالًا بفاعلية العلاج وبالمرضى الذين لا يستفيدون من التقنية الكلاسيكية كما ينبغي..

جرّب أولًا ما سماه Active Technique ــ التقنية النشطة، التي تضمنت أحيانًا وضع مطالب أو قيود على بعض سلوكيات المريض في محاولة لكسر حالات الجمود والمقاومة..

وتعاون في هذه المرحلة مع Otto Rank، وصدرا معًا سنة 1924 عملهما The Development of Psychoanalysis الذي دعا إلى إعطاء التجربة الانفعالية الحاضرة داخل العلاج وزنًا أكبر..

لكن الجميل في تاريخ فيرينتسي أنه لم يتعامل مع تجاربه التقنية وكأنها عقائد مقدسة..

حين وجد أن "التقنية النشطة" يمكن أن تتحول إلى ضغط آخر يمارسه المحلل على المريض، بدأ يبتعد عنها وينتقدها هو نفسه..

وتدريجيًا انتقل في الاتجاه المعاكس تقريبًا:

من محلل أكثر نشاطًا إلى محلل أكثر مرونة واستجابة وحساسية لما يعيشه المريض..

وفي سنة 1928 نشر واحدًا من أهم نصوصه التقنية:
The Elasticity of Psycho-Analytic Technique مرونة التقنية التحليلية..

وهنا ظهر بصورة واضحة مفهوم Tact ــ اللباقة/الحس السريري، وأعطى أهمية كبيرة لقدرة المحلل على أن يشعر من داخل الوضع العلاجي بما يستطيع المريض احتماله، وباللحظة المناسبة للتفسير، وبالحاجة إلى ألا يحوّل «القواعد» إلى جدار يفصل بينه وبين الشخص الذي أمامه..

وهذه نقطة ستصبح أساسية جدًا في إرثه..

فالمحلل عند فيرينتسي لم يعد مجرد شاشة محايدة يُسقط عليها المريض خيالاته..

المحلل شخص حاضر داخل العلاقة، وله تأثير حقيقي، وله استجابات نفسية، ويمكنه أن يساعد المريض كما يمكنه أيضًا ــ إذا لم ينتبه إلى سلطته ــ أن يعيد إنتاج شيء من جرحه القديم..

ومن هنا تأتي أهمية Countertransference ــ التحويل المضاد في فكره..

في الوقت الذي كان يُنظر فيه إلى مشاعر المحلل تجاه المريض غالبًا باعتبارها تشويشًا يجب التخلص منه، بدأ فيرينتسي يتعامل معها بوصفها جزءًا من الدينامية العلاجية نفسها يجب أن تُفهم وتُحلل..
لم تعد العلاقة تسير في اتجاه واحد:
المريض يؤثر في المحلل، والمحلل يؤثر في المريض..

ولهذا يرى عدد من مؤرخي التحليل في فيرينتسي واحدًا من أهم الجذور المبكرة لما سيعرف لاحقًا بـ Two-Person Psychology والتحليل العلائقي والبينذاتي..

لكن المنطقة التي ستجعل أفكاره أكثر ثورية وإثارة للنزاع مع فرويد كانت:
الصدمة النفسية..
في سنواته الأخيرة عاد فيرينتسي بقوة إلى الواقع الخارجي..

كان يرى في مرضاه حالات لا يكفي فيها تفسير المادة باعتبارها خيالًا أو رغبة لاواعية، لأن بعض الأحداث المؤلمة حدثت فعلًا..

وكان مهتمًا بصورة خاصة بما يحدث للطفل عندما يتعرض لاعتداء أو عنف من شخص يعتمد عليه ويحتاج إلى حبه..

بلغ هذا التفكير ذروته في النص الذي أصبح أشهر أعماله:
Confusion of Tongues Between Adults and the Child ــ اختلاط اللغات بين الراشد والطفل.

قدمه في المؤتمر الدولي الثاني عشر للتحليل النفسي في فيسبادن في سبتمبر 1932، ثم نُشر النص الأصلي بالألمانية سنة 1933، أما ترجمته الإنجليزية في International Journal of Psychoanalysis فلم تظهر إلا سنة 1949..

وكانت الفكرة شديدة القوة..

تحدث فيرينتسي عن لغة الحنان Language of Tenderness عند الطفل، في مقابل ما أسماه لغة الشغف Passion عند الراشد المعتدي..

ليس المقصود أن الطفل بلا حياة دافعية، وإنما أن الراشد يستطيع أن يفرض على حاجة الطفل إلى القرب والحنان والأمان معنى جنسيًا أو عدوانيًا لا يتوافق مع تنظيم الطفل النفسي، ثم يستخدم تفوقه وسلطته داخل العلاقة لإخضاعه..

عندما يكون المعتدي هو نفسه الشخص الذي يحتاج الطفل إلى حبه وحمايته، تصبح الصدمة أكثر تعقيدًا..

فالطفل لا يستطيع ببساطة أن يهرب من الشخص الذي يعتمد عليه..

وقد وصف فيرينتسي استجابة يصبح فيها الطفل شديد الحساسية لإرادة المعتدي، ويخضع لها نفسيًا إلى درجة أنه قد يستدخل رغباته وذنبه ويتماهى معه..

وهنا استخدم فيرينتسي مفهوم:
Identification with the Aggressor ــ التماهي مع المعتدي..

وهو مفهوم سبق استعمال Anna Freud له سنة 1936، مع اختلاف مهم بين الصياغتين: عند فيرينتسي يرتبط التماهي بالمعتدي بالصدمة والانهيار أمام سلطة المعتدي، بينما ستتناوله Anna Freud لاحقًا بوصفه آلية دفاعية ضمن تصور مختلف..

لكن فيرينتسي أضاف شيئًا آخر شديد الأهمية..
فالحدث المؤلم ليس دائمًا وحده ما يصنع الصدمة.،
يمكن أن تأتي صدمة ثانية عندما يحاول الطفل أن يخبر الراشدين بما حدث، فيُكذَّب أو تُنكر تجربته أو يُطلب منه التصرف وكأن شيئًا لم يقع..

بهذا يصبح الطفل أمام واقعين متعارضين بين ما عاشه بنفسه..
وما يخبره الأشخاص الذين يعتمد عليهم أنه "لم يحدث"..

وقد رأى فيرينتسي أن هذا الإنكار أو Disavowal يمكن أن يساهم في تفكك خبرة الطفل وفي فقدانه الثقة بإدراكه هو للواقع.. وهذه الفكرة أصبحت لاحقًا من أكثر جوانب نظريته حضورًا في الكتابات المعاصرة عن الصدمة والتفكك النفسي..

ومن هنا أصبح مهتمًا بـ Splitting ــ الانشطار والتشظي النفسي الناتج عن الصدمة..

فالطفل قد يضطر إلى التضحية بجزء من تجربته أو إحساسه بذاته كي يحافظ على العلاقة التي يعتمد عليها للبقاء..

ومن أجمل الصور التي استخدمها فيرينتسي لهذا النوع من التكيف مفهوم:
Wise Baby ــ الطفل الحكيم.

فالطفل الذي يُجبر على التعامل مبكرًا مع ألم أو مسؤوليات أكبر من قدرته قد يبدو فجأة ناضجًا بصورة غير عادية.. لكنه نضج وُلد من الضرورة لا من نمو طبيعي؛ جزء من الطفل يصبح شديد الانتباه إلى عالم الراشد ويحاول أن يعتني بالآخرين أو يتنبأ باحتياجاتهم، بينما تُترك احتياجاته الطفولية في الخلف.. وقد ربط فيرينتسي هذه الصورة في أعماله المتأخرة بالصدمة والانشطار..

وفي هذه الفترة أيضًا أخذ يجرب Relaxation Technique ــ تقنية الاسترخاء/الإرخاء، محاولًا خلق مناخ أقل قسوة يسمح للمرضى شديدي الصدمة بالتراجع النفسي وإعادة لمس خبرات لم يتمكنوا من تمثيلها سابقًا..

ثم ذهب في تجاربه إلى حد Mutual Analysis ــ التحليل المتبادل، حيث سمح لبعض المرضى بدرجة غير مسبوقة من الوصول إلى مشاعره وصراعاته هو نفسه..

والتحليل المتبادل لم يتحول إلى تقنية معتمدة في التحليل النفسي، وفيرينتسي نفسه لم يستقر عليه بوصفه نموذجًا نهائيًا.. كانت تجربة سريرية راديكالية ومثيرة للجدل، وقد كشف لاحقًا بنفسه عن مشكلاتها وحدودها.. لكن قيمتها التاريخية أنها جعلت مسألة السلطة، والصدق، ومشاركة المحلل، وتأثيره الحقيقي في المريض موضوعات لا يمكن تجاهلها بسهولة بعد ذلك..

وقد سجل كثيرًا من هذه التجارب والأفكار في Clinical Diary ــ اليوميات السريرية التي كتبها بين يناير وأكتوبر 1932..

لكن اليوميات نفسها بقيت غير منشورة لعقود؛ صدرت بالفرنسية سنة 1985 ثم بالإنجليزية سنة 1988، وهو أحد الأسباب التي جعلت كثيرًا من أفكار فيرينتسي تصل متأخرة إلى الأجيال اللاحقة من المحللين..

وهنا نصل إلى مدرسة بودابست نفسها، لأن اختزالها في فيرينتسي وحده يظلمها..

كانت المدرسة مهتمة بصورة خاصة بـ العلاقة المبكرة بين الأم والطفل، والفترة السابقة للأوديب، والصدمة، والعلاقة العلاجية، والتحويل المضاد، والتقنية، والتربية والقضايا الاجتماعية..

طوّر Imre Hermann لاحقًا مفهوم Clinging Instinct ــ نزعة التشبث أو التعلق، معطيًا أهمية كبيرة لاحتياج الرضيع إلى التمسك الجسدي بالأم..

ووسّع Michael Balint تراث فيرينتسي في دراسة العلاقات المبكرة والارتداد العلاجي، وظهر عنده لاحقًا مفهوم Basic Fault ــ العيب أو الصدع الأساسي، كما أصبحت Balint Groups طريقته الشهيرة لمساعدة الأطباء على التفكير في العلاقة النفسية بينهم وبين مرضاهم..

أما Alice Balint فعملت على العلاقة البدائية بين الأم والرضيع، وVilma Kovács لعبت دورًا مهمًا في تطوير طريقة بودابست في تدريب المحللين، بينما أخذ Géza Róheim الأفكار التحليلية إلى الأنثروبولوجيا والثقافة..

حتى طريقة تكوين المحلل كان لها طابع خاص في بودابست..

كان فيرينتسي شديد التأكيد على ضرورة أن يخضع المحلل نفسه لتحليل عميق، لأن النقاط العمياء غير المحللة لديه ستدخل حتمًا إلى عمله مع مرضاه..وطور الوسط المجري لاحقًا نموذجًا كان يربط تدريب المحلل وعمله السريري بصورة وثيقة بتحليله الشخصي..

وفي سنة 1931 افتُتحت في بودابست عيادة تحليلية كانت تعمل كذلك مركزًا للتدريب، بعد عيادة برلين التي افتتحت سنة 1920، وهو ما أعطى المدرسة بنية مؤسسية أكثر رسوخًا..

لكن في الوقت نفسه كانت المسافة بين فيرينتسي وفرويد تكبر..

منذ أواخر العشرينيات أصبح فرويد وعدد من المحللين أكثر تحفظًا تجاه تجارب فيرينتسي التقنية، خصوصًا ما تعلق بالمشاركة العاطفية للمحلل والارتداد والتعامل مع المرضى شديدي الصدمة..

ووصل الخلاف إلى ذروته سنة 1932 مع ورقة اختلاط اللغات..

قبل ذهابه إلى مؤتمر فيسبادن، قرأ فيرينتسي الورقة على فرويد في فيينا.. كان فرويد معترضًا بشدة على الاتجاه الذي أخذته أفكاره حول الصدمة والتقنية، وطلب منه إعادة النظر قبل نشرها، لكن فيرينتسي قدم الورقة في المؤتمر رغم ذلك..

ومع ذلك، من غير الدقيق أن نقول إن فيرينتسي (انشق) عن فرويد بالطريقة نفسها التي فعلها أدلر أو يونغ..

كانت علاقته بفرويد قد وصلت إلى توتر شديد، لكنه ظل يعتبر نفسه محللًا نفسيًا يعمل من داخل هذا التقليد حتى النهاية.. ولهذا فمدرسة بودابست ليست نتيجة قطيعة مؤسسية، بل نتيجة تحول سريري وفكري نشأ داخل التحليل النفسي نفسه..

توفي فيرينتسي في بودابست في 22 مايو 1933، قبل بلوغه الستين بأسابيع، نتيجة فقر الدم الخبيث ..

وبعد موته دخل جزء كبير من إرثه فترة طويلة من التهميش، كما بقيت بعض كتاباته المتأخرة، وعلى رأسها يومياته السريرية، بعيدة عن التداول سنوات طويلة..

مع فيرينتسي بدأت صورة المحلل تتغير تدريجيًا
من شخص يفسر اللاوعي من خلف حياده..إلى شخص عليه أن ينتبه أيضًا إلى ما يفعله حضوره، وصمته، وسلطته، ومشاعره داخل العلاقة العلاجية..

هذا كان ساندور فيرينتسي ومدرسة بودابست..

 معنا اليوم صاحب أشهر الانشقاقات في تاريخ التحليل النفسي، وربما أكثرها تأثيرًا خارج حدود التحليل نفسه، مع  ..قصة يونغ مع...
06/09/2026



معنا اليوم صاحب أشهر الانشقاقات في تاريخ التحليل النفسي، وربما أكثرها تأثيرًا خارج حدود التحليل نفسه، مع ..

قصة يونغ مع التحليل النفسي لم تبدأ بوصفه معارضًا لفرويد.. على العكس تمامًا، كان لفترة من الزمن أحد أقرب رجاله إليه، والرجل الذي بدا لفرويد أنه قادر على حمل المشروع التحليلي إلى الجيل التالي..

وُلد Carl Gustav Jung في 26 يوليو 1875 في قرية Kesswil السويسرية، في أسرة بروتستانتية؛ كان والده قسًا في الكنيسة الإصلاحية السويسرية، كما انحدرت والدته من عائلة ضمت عددًا من رجال الدين.. وقد ظل الدين والأسطورة والأسئلة المتعلقة بالروح والمعنى حاضرة في اهتمامه طوال حياته، حتى عندما أصبح موقفه من الدين التقليدي مختلفًا عن البيئة التي نشأ فيها..

ومن المهم هنا، كما فعلنا مع أدلر، ألا نحول طفولة يونغ إلى مفتاح سحري يفسر نظريته كلها.. لكن يصعب أيضًا تجاهل أن الطفل الذي كان شديد الانشغال بالأحلام والتجارب الداخلية والمسائل الدينية والغامضة، سيصبح لاحقًا الرجل الذي وضع الرمز والأسطورة والدين والصور النفسية في قلب نظريته عن اللاوعي..

دخل يونغ جامعة بازل سنة 1895 لدراسة الطب، وحصل على دبلومه الطبي سنة 1900.. وفي العام نفسه بدأ العمل في مستشفى Burghölzli للأمراض النفسية في زيورخ تحت إدارة الطبيب النفسي الشهير Eugen Bleuler.. وهناك بدأ أحد أهم فصول تكوينه العلمي، إذ عمل مع مرضى يعانون اضطرابات ذهانية وشارك في الدراسات التجريبية حول اختبار تداعي الكلمات Word Association Test..

ومن هذه التجارب تطور اهتمامه بما سماه Complexes ــ المركّبات النفسية؛ أي تجمعات من الأفكار والذكريات والانفعالات المشحونة وجدانيًا، يمكن أن تعمل بدرجة من الاستقلال عن الإرادة الواعية وتؤثر في استجابات الإنسان وسلوكه..

وكان هذا العمل من الأسباب التي جعلت يونغ، وهو لا يزال في بداية الثلاثينيات من عمره، اسمًا معروفًا داخل الطب النفسي الأوروبي..

حتى رسالته الطبية الأولى تكشف مبكرًا عن اتجاه اهتمامه.. ففي سنة 1902 نشر أطروحته بعنوان On the Psychology and Pathology of So-Called Occult Phenomena، التي درس فيها جلسات وسيطة كانت تشارك فيها إحدى قريباته، محاولًا تناول تلك الظواهر من منظور نفسي وعلمي، لا باعتبارها ببساطة دليلًا على عالم خارق.. وسيبقى اهتمامه بالظواهر غير المألوفة والرمز والدين حاضرًا في أعماله اللاحقة..

وفي سنة 1907 نشر دراسته المهمة عن Dementia Praecox، مستندًا إلى عمله في Burghölzli.. وكان من اللافت أنه لم يتعامل مع الهذيانات والكلام الذهاني على أنها مجرد فوضى بلا معنى، بل حاول فهم البناء النفسي الذي قد يظهر داخلها.. وفي مقدمة الكتاب أقر صراحة بتأثره باكتشافات فرويد..

كانت أفكار فرويد قد لفتت انتباهه قبل ذلك، وبدأ الاثنان المراسلة سنة 1906، ثم التقيا للمرة الأولى في فيينا في 3 مارس 1907.. وتذكر الوثائق أن حديثهما الأول امتد قرابة ثلاث عشرة ساعة.. ومن هناك بدأت علاقة فكرية شديدة القوة بين رجلين يفصل بينهما نحو عشرين عامًا..

أصبح يونغ سريعًا من أبرز المدافعين عن التحليل النفسي، وسافر مع فرويد إلى الولايات المتحدة سنة 1909 للمشاركة في احتفالات جامعة Clark.. وفي سنة 1910، عندما تأسست الجمعية الدولية للتحليل النفسي IPA رسميًا في نورمبرغ، أصبح يونغ أول رئيس لها.. لم يكن موقعه إذن هامشيًا داخل الحركة؛ كان في قلبها تمامًا..

لكن هذا القرب نفسه سيجعل الانفصال أكثر حدة..
فالاختلاف بينهما لم يكن حول وجود اللاوعي، بل حول طبيعته وحدوده..

لم يقبل يونغ أن يبقى مفهوم الليبيدو Libido مرتبطًا أساسًا بالطاقة الجنسية كما كان عند فرويد، بل اتجه إلى فهمه باعتباره مفهومًا أوسع للطاقة النفسية.. كما لم يكن مقتنعًا بأن محتويات اللاوعي يمكن تفسيرها دائمًا بالرجوع إلى التاريخ الشخصي والصراعات الجنسية المبكرة وحدها..

ومع ازدياد اهتمامه بالأساطير والأديان والرموز، بدأ يرى أن النفس تحتوي على أنماط تتجاوز السيرة الفردية للإنسان..

ظهرت هذه المسافة بوضوح في عمله Transformations and Symbols of the Libido الذي صدر في جزأين خلال 1911 و1912، وكان من الأعمال التي جعلت اختلافه مع فرويد غير قابل للتجاهل تقريبًا.. فقد بدأ فيه إعادة صياغة مفهوم الليبيدو، وربط الصور النفسية بالأساطير والرموز الإنسانية القديمة..

وبنهاية سنة 1912 كانت العلاقة قد تدهورت بشدة.. وفي رسالة بتاريخ 3 يناير 1913 أنهى فرويد عمليًا صداقته مع يونغ.. ثم استقال يونغ من رئاسة الجمعية الدولية للتحليل النفسي في أبريل 1914، وانفصل نهائيًا عن الحركة الفرويدية المؤسسية..

ومن هذا الانفصال بدأ يتبلور تدريجيًا الاتجاه الذي سيُعرف باسم: Analytical Psychologyعلم النفس التحليلي..
احتفظ يونغ بفكرة اللاوعي الشخصي Personal Unconscious، الذي يحتوي على الخبرات المنسية والمكبوتة والمركبات النفسية، لكنه أضاف إليه أحد أكثر مفاهيمه شهرة وإثارة للجدل:
Collective Unconscious اللاوعي الجمعي..
واللاوعي الجمعي عند يونغ لا يعني مخزنًا يحتوي على "ذكريات الأجداد" بصورتها الحرفية كما يُختزل أحيانًا، بل مستوى من التنظيم النفسي يفترض وجود استعدادات وأنماط بنيوية مشتركة بين البشر، تظهر من خلالها صور وموضوعات متشابهة في الأحلام والأساطير والأديان والخيال الإنساني..
ومن هنا جاء مفهوم: Archetypes النماذج الأصلية..

والأدق أيضًا ألا نفهم الـArchetype باعتباره صورة جاهزة موروثة، بل نمطًا أو بنية استعداد نفسية تستطيع أن تتجسد في صور مختلفة حسب الشخص والثقافة.. وقد استخدم يونغ لفظ Archetype نفسه بصورة صريحة ابتداءً من 1919، بعد أن كان يستعمل قبل ذلك تعبيرات مثل "الصورة البدئية"..
ومن هذه النظرية ستظهر المفاهيم التي أصبحت مرتبطة باسمه: Persona ــ القناع، أي الوجه أو الدور الذي نقدمه للعالم..

وShadow الظل، أي جوانب الذات التي لا تتوافق مع الصورة الواعية التي نريد أن نكونها، فندفعها إلى الهامش أو نرفض الاعتراف بها..
أيضا Anima وAnimus، اللذان صاغهما يونغ ضمن تصوره التاريخي للأبعاد الأنثوية والذكورية في النفس..

ثم Self ــ الذات، التي تمثل عنده مبدأ أكثر شمولًا من الأنا الواعية، يرتبط بتكامل الشخصية وتنظيمها ككل.
ومن هنا جاءت واحدة من أهم أفكاره:
Individuation التفرد..

والتفرد عند يونغ لا يعني أن يصبح الإنسان أكثر فردانية أو أن ينعزل عن الآخرين، وإنما مسارًا نفسيًا طويلًا يصبح خلاله أكثر قدرة على التعرف إلى الأجزاء المختلفة والمتعارضة في نفسه، وإدماج ما كان مستبعدًا منها، والتقدم نحو قدر أكبر من التكامل الداخلي..

بعد انفصاله عن فرويد مر يونغ بين 1913 و1916 تقريبًا بفترة مكثفة من استكشاف عالمه الداخلي عبر الأحلام والخيالات والصور، وسجّل جزءًا كبيرًا منها في دفاتر ستصبح أساس The Red Book ــ الكتاب الأحمر.. ومن هذه التجربة تطورت لديه تقنية Active Imagination ــ الخيال الفعّال، التي تقوم على الدخول في علاقة واعية مع الصور والمضامين التي تنشأ من اللاوعي بدل الاكتفاء بمراقبتها من الخارج.. وقد استمر في العمل على الكتاب الأحمر وتزيينه حتى أوائل الثلاثينيات، لكنه لم يُنشر للعامة إلا سنة 2009، بعد وفاته بعقود طويلة. .

ولم تتوقف إضافاته هنا..ففي سنة 1921 نشر كتابه الشهير Psychological Types ــ الأنماط النفسية، الذي صاغ فيه التمييز بين:
Introversion ــ الانطواء
و
Extraversion ــ الانبساط

إلى جانب أربع وظائف نفسية أساسية: التفكير Thinking، الشعور Feeling، الإحساس Sensation، والحدس Intuition..

وهكذا وسّع يونغ حدود علم النفس العميق إلى مناطق لم تكن تحتل الموقع نفسه عند فرويد: الأسطورة، الدين، الرمز، الخيال، الذهان، الشخصية، المعنى، النصف الثاني من الحياة، وعملية تكامل الذات..

وهنا أيضًا من المهم أن نكون دقيقين، يونغ خرج من تاريخ التحليل النفسي، لكنه لم يبقَ مدرسة من مدارس التحليل النفسي الفرويدي بالمعنى المؤسسي الدقيق.. بعد انفصاله أسس تقليدًا مستقلاً هو علم النفس التحليلي اليونغي، وله مؤسساته وتكوينه الخاص حتى اليوم..

ومن اللافت أن الرجل الذي دخل الحركة التحليلية بوصفه أحد أكثر المدافعين حماسة عن فرويد، خرج منها لأنه لم يعد يرى أن اللاوعي ينتهي عند حدود التاريخ الشخصي للفرد..

فبالنسبة إلى يونغ، كلما تعمق الإنسان في نفسه، لم يجد فقط ما عاشه هو..

بل وجد أيضًا الرموز والصور والأنماط التي اعتقد يونغ أنها تنتمي إلى تاريخ النفس الإنسانية الأوسع.

وهنا بدأت واحدة من أكثر مدارس علم النفس العميق تأثيرًا وجدلاً في القرن العشرين: علم النفس التحليلي..

05/09/2026

😌😌😌

 ولأنني تحدثت كثيرًا، وفي مناسبات عديدة، عن بدايات التحليل النفسي مع عزيزي فرويد، فسأبدأ هذه السلسلة من أولى الانشقاقات ...
05/09/2026



ولأنني تحدثت كثيرًا، وفي مناسبات عديدة، عن بدايات التحليل النفسي مع عزيزي فرويد، فسأبدأ هذه السلسلة من أولى الانشقاقات عن المدرسة الفرويدية، مع ..

كان Alfred Adler من أوائل من جعلوا هذه الانشقاقات تتحول إلى مدرسة مستقلة..

لكن قبل أن يصبح أدلر أحد أبرز المنشقين عن فرويد، كانت حياته نفسها قد وضعته مبكرًا أمام تجربة ستصبح لاحقًا شديدة الحضور في فكره الضعف ومحاولة تجاوزه..

وُلد أدلر في 7 فبراير 1870 في ضواحي فيينا.. عانى في طفولته من الكساح الذي أعاق قدرته على المشي حتى نحو الرابعة من عمره، ثم أصيب في الخامسة تقريبًا بالتهاب رئوي شديد كاد يودي بحياته.. وتذكر سيرته أن هذه المواجهة المبكرة مع المرض والموت ساهمت في قراره أن يصبح طبيبًا.. درس الطب في جامعة فيينا وتخرّج سنة 1895، وبدأ حياته المهنية في طب العيون قبل أن ينتقل سريعًا إلى الممارسة العامة في منطقة أقل ثراءً من فيينا، حيث احتك مباشرة بمرضى شكلت ظروفهم الاجتماعية والعمل جزءًا واضحًا من مشكلاتهم الصحية..

ومن المهم هنا أرجوكم ألا نحول طفولة أدلر إلى تفسير جاهز لنظريته، لكنني ذكرتها لأنه يصعب تجاهل الصلة بين اهتمامه المبكر بالجسد الضعيف وبين أحد أعماله النظرية الأولى.. ففي سنة 1907 نشر دراسته عن قصور الأعضاء والتعويض النفسي عنه، حيث اهتم بكيفية محاولة الكائن تعويض مواضع الضعف، وأحيانًا تجاوزها بدرجة كبيرة.. كانت هذه الفكرة واحدة من المقدمات التي ستقوده لاحقًا من مفهوم القصور العضوي إلى تصور أوسع عن الشعور بالنقص والتعويض في الحياة النفسية..

في سنة 1902 انضم أدلر إلى المجموعة التي كانت تجتمع أسبوعيًا حول فرويد في فيينا، والتي عُرفت أولًا باسم الجمعية النفسية ليوم الأربعاء قبل أن تتطور لاحقًا إلى جمعية فيينا للتحليل النفسي. وأصبح أدلر شخصية بارزة داخل المجموعة، لكنه كان يبني تدريجيًا تصورًا للإنسان يختلف عن التصور الفرويدي..

لم يكن أدلر مقتنعًا بأن الدافع الجنسي والصراعات الليبيدية يمكن أن تحتل الموقع المركزي نفسه الذي منحها إياه فرويد.. كان أكثر اهتمامًا بتجربة شديدة البساطة في ظاهرها لكنها عميقة الأثر في تكوين الشخصية وهي إحساس الإنسان بنقصه..

فالطفل يبدأ حياته صغيرًا وضعيفًا ومعتمدًا على الآخرين، ويختبر منذ البداية الفارق بين ما يستطيع فعله وما يتمنى أن يستطيع فعله.. ومن هذه الخبرة يمكن أن ينشأ الشعور بالنقص ..
لم يعتبر أدلر هذا الشعور مرضًا.. على العكس، يمكن أن يصبح أحد محركات النمو، لأن الإنسان يحاول التعويض عما يشعر أنه ينقصه، وتطوير قدراته وتجاوز مواطن ضعفه..

لكن عندما يتحول الإحساس بالنقص إلى تجربة طاغية ومستقرة، يمكن أن ينظم جزءًا كبيرًا من الشخصية، وهنا ارتبطت النظرية الأدلبية لاحقًا بمفهوم عقدة النقص ..

في المقابل، يمكن لمحاولات التعويض أن تتحول إلى سعي مفرط لإثبات القوة أو التفوق.. ولهذا أصبحت العلاقة بين النقص والتعويض والسعي إلى التفوق من أشهر ملامح الفكر الأدلري..

لكن اختزال أدلر في "عقدة النقص"يظلمه كثيرًا..

فقد تحدث أيضًا عن أسلوب الحياة
، أي النمط الخاص الذي يبنيه الإنسان في تعامله مع ذاته والآخرين والعالم، وأعطى مكانة مركزية لـ الاهتمام الاجتماعي، القدرة على الانتماء والتعاون والشعور بالارتباط بالمجتمع الإنساني..

كما منح أهداف الإنسان واتجاهه نحو المستقبل وزنًا أكبر مما كان موجودًا في النموذج الفرويدي الكلاسيكي.. فالشخصية عنده لا تُفهم فقط من خلال ما حدث للإنسان، بل أيضًا من خلال الطريقة التي يحاول بها أن يتجاوز ضعفه ويصنع لنفسه مكانًا في العالم..

وصل الخلاف مع فرويد إلى القطيعة سنة 1911، وفي 1912 أسس أدلر جمعية علم النفس الفردي، لتصبح مدرسة مستقلة..

وبهذا ظهر أول انشقاق كبير يثبت أن التحليل النفسي الذي بدأ حول رجل واحد لن يبقى طويلًا نظرية واحدة..

ومن اللافت أن الرجل الذي سيجعل النقص و التعويض وتجاوز الضعف من أشهر مفاهيم علم النفس، كان قد عرف منذ طفولته معنى أن يبدأ الإنسان من موقع يشعر فيه أن جسده أضعف من العالم من حوله..

لكن أدلر لم يجعل من الضعف قدرًا..

بل جعل منه، في كثير من الحالات، نقطة يبدأ منها الإنسان حركته نحو النمو..

05/09/2026

صباح الخير..
ألهمني المنشور الأخير للأمس أن أبدأ سلسلة من المنشورات حول المدارس التي نشأت داخل التحليل النفسي وتطوّرت منه…

يبدو أن اليوم سيكون حافلًا 😌✌🏻

04/09/2026

في أواخر القرن التاسع عشر، كان عزيزي فرويد يستمع إلى مرضاه ويلاحظ أن أعراضهم لا تبدو دائمًا قابلة للتفسير بالمرض العضوي وحده..بعضهم كان يعاني من شلل أو آلام أو أعراض جسدية من دون سبب عضوي واضح، وبعضهم كان يقول شيئًا ثم يتصرف بطريقة تناقض ما يقول إنه يريده..

ومن هنا بدأ يتكوّن التصور الذي سيغيّر تاريخ علم النفس كله وهو. أن هناك حياة نفسية لاواعية..هناك أشياء نريدها ولا نعرف أننا نريدها…هناك ذكريات نرفضها لكنها لا تختفي..
هناك رغبات تُكبت، وصراعات تُدفع خارج الوعي، ثم تعود في صورة أحلام أو أعراض أو هفوات أو تكرارات في الحياة..
شيئًا فشيئًا ظهرت المفاهيم التي أصبحت قلب التحليل النفسي مثل :اللاوعي، الكبت، المقاومة، التحويل، الصراع النفسي، عقدة أوديب، النرجسية، التكرار القهري، ثم لاحقًا الهو والأنا والأنا الأعلى، وغريزتا الحياة والموت.

في البداية بدا وكأن عزيزي فرويد قد أسس مدرسة..لكنه في الحقيقة أسس مشكلة كاملة ستقضي الأجيال اللاحقة أكثر من قرن في محاولة الإجابة عنها وهي ما الذي يحرك الإنسان من الداخل؟
وما إن بدأت الحركة التحليلية تتشكل حتى ظهرت أولى الانشقاقات..🫣
كان ألفرد أدلر واحدًا من أوائل أعضاء دائرة فرويد، لكنه لم يكن مقتنعًا بأن الجنس والدافع الليبيدي يجب أن يحتلا المكان المركزي الذي منحهما فرويد..
وفي سنة 1911 تقريبًا انفصل أدلر عن الحركة الفرويدية..كان يرى أن الإنسان لا يُحرك فقط بما يرغب فيه، بل أيضًا بما يشعر أنه ينقصه..
ظهر عنده مفهوم الشعور بالنقص، ثم التعويض، والسعي إلى التفوق والكفاءة، وأسلوب الحياة، والحاجة إلى الانتماء الاجتماعي..وهكذا نشأ علم النفس الفردي..
كان هذا أول إعلان واضح تقريبًا بأن أبناء فرويد لن يبقوا جميعًا داخل البيت نفسه..

ثم جاء الانشقاق الأكبر..😔كارل غوستاف يونغ..

كان فرويد يرى فيه لفترة وريثًا للحركة التحليلية، وكان يونغ في البداية شديد الإعجاب به..لكن الخلاف بينهما لم يكن تفصيلًا صغيرًا..
يونغ لم يقبل اختزال الليبيدو في معناه الجنسي بالدرجة نفسها التي فعلها فرويد، ولم يكن مستعدًا للتعامل مع الدين والأسطورة والرمز بالطريقة الفرويدية ذاتها.وفي حدود 1913 حدثت القطيعة..
ومن هناك بدأ يونغ بناء علم النفس التحليلي..
احتفظ بفكرة اللاوعي، لكنه وسّعها..لم يعد هناك فقط لاوعي شخصي مليء بالمكبوتات الفردية، بل أيضًا لاوعي جمعي يحمل أنماطًا رمزية مشتركة بين البشر..ظهرت معه النماذج الأصلية Archetypes، والظل، والقناع Persona، والأنيما، والأنيموس، والذات، وعملية التفرد..
وهكذا أصبح واضحًا منذ وقت مبكر جدًا أن "التحليل النفسي"لن يبقى نظرية واحدة..

لكن ليس كل من اختلف مع فرويد غادر الحركة..
هناك شخصية أخرى اختارت طريقًا مختلفًا وهو ساندور فيرينتسي..😇
كان من أقرب المحللين إلى فرويد، لكنه بدأ يسأل أسئلة لم يكن التحليل الكلاسيكي مرتاحًا لها بعد..
ماذا عن الصدمة الحقيقية؟ماذا عن الطفل عندما يتعرض لإساءة فعلية؟ماذا يحدث عندما لا يُصدّق؟ماذا عن برود المحلل أو حياده الزائد؟
وماذا عن مشاعر المحلل نفسه تجاه المريض؟
منذ العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين بدأ فيرينتسي يفتح الباب أمام موضوعات ستصبح بعد عقود في قلب التحليل الحديث مثل : الصدمة، العلاقة الفعلية بين المريض والمحلل، التحويل المضاد، المرونة التقنية، والاعتراف بألم المريض..
ومن حوله نشأت مدرسة بودابست التي سيخرج منها أو يتأثر بها محللون مثل مايكل بالينت وإيمري هيرمان..
يمكن أن نرى في فيرينتسي أحد أولئك الذين نقلوا التحليل إلى سؤال عن العلاقة..
وفي الوقت نفسه تقريبًا، كان التحليل النفسي يدخل مرحلة جديدة..فرويد نفسه كان قد أعاد بناء نظريته في عشرينيات القرن العشرين عندما قدّم النموذج البنيوي (الهو، الأنا، الأنا الأعلى)..
وهنا بدأ عدد من المحللين يركزون بصورة أكبر على الأنا..
من هنا ظهر علم نفس الأنا..من أبرز رموزه:
آنا فرويد، هاينز هارتمان، إرنست كريس ورودولف لوينشتاين..
وفي سنة 1936 نشرت آنا فرويد كتابها الشهير الأنا وآليات الدفاع، وأصبح التفكير في الدفاعات النفسية جزءًا أساسيًا من الممارسة التحليلية..
الكبت، الإنكار، الإسقاط، التكوين العكسي، العزل، الإلغاء، الإزاحة، التسامي…وأصبحت هذه العمليات تُفهم باعتبارها طرقًا يحاول بها الأنا حماية نفسه من القلق والصراع..

لكن بينما كان علم نفس الأنا يسأل عن كيفية تنظيم الأنا لنفسه، كانت امرأة في بريطانيا تدفع التحليل إلى منطقة أبكر بكثير من الحياة النفسية..

الانسة ميلاني كلاين..😌
منذ عشرينيات القرن العشرين بدأت كلاين تحليل الأطفال باستخدام اللعب، وأخذت تنظر إلى السنوات الأولى جدًا من الحياة باعتبارها مسرحًا نفسيًا شديد التعقيد..
بالنسبة إليها، الرضيع ليس كائنًا بسيطًا ينتظر أن يكبر كي يبدأ الصراع النفسي..
الصراع موجود منذ البداية تقريبًا..حب وكراهية..خوف من الفقد..خوف من الانتقام..
موضوع جيد..موضوع سيئ..إسقاط..استدماج..
انشطار..ثم ظهر أحد أشهر مفاهيمها وهو الوضع الفصامي-البارانويدي..
وفيه تميل النفس المبكرة إلى تقسيم العالم إلى جيد وسيئ لتتحمل القلق..ثم مع النضج يظهر الوضع الاكتئابي..
وهنا يبدأ الطفل بإدراك شيء أصعب بكثير وهو أن الشخص الذي أحبه هو نفسه الشخص الذي أغضب منه..وأن الأم الجيدة والأم السيئة ليستا شخصين مختلفين..وأن العدوان تجاه من نحبه يولد الذنب والرغبة في الإصلاح..
ومع كلاين أصبح العالم الداخلي وعلاقات الموضوع في مركز النظرية..
لكن التطور لم يحدث في بريطانيا وحدها..
في الولايات المتحدة، خلال الثلاثينيات، بدأ اتجاه آخر في التشكل مع Harry Stack Sullivan وغيرِه..
كان Sullivan أقل اهتمامًا بالجهاز النفسي المغلق، وأكثر اهتمامًا بما يحدث بين الناس..رأى أن الشخصية لا يمكن فهمها خارج العلاقات..
ومن هنا ظهر التحليل النفسي البينشخصي..
وتقاطع معه أسماء مثل Karen Horney وErich Fromm وFrieda Fromm-Reichmann..
وهنا أصبح المجتمع والثقافة والعلاقة أكثر أهمية..
وخلال الأربعينيات والخمسينيات تطورت في بريطانيا واحدة من أهم العائلات النظرية في تاريخ التحليل وهي نظرية علاقات الموضوع ..
هنا بدأ التحليل يتحرك أكثر فأكثر من الدافع إلى العلاقة..
كان Ronald Fairbairn من أبرز من قلبوا المعادلة..😍
فبدل الفكرة التقليدية التي تقول إن الإنسان يبحث عن الموضوع من أجل إشباع الدافع، رأى Fairbairn أن الإنسان يبحث عن الموضوع نفسه..
أي يبحث عن العلاقة..وهذا فرق هائل..
فالطفل لا يحب الأم فقط لأنها تطعمه أو تشبع حاجته، بل لأن العلاقة ذاتها تصبح مركز حياته النفسية..
ومن هذا التيار خرجت أو تقاطعت أسماء مثل:Fairbairn، Winnicott، Balint، Guntrip..

وفي الجمعية البريطانية للتحليل النفسي حدث آنذاك صراع شهير بين أنصار ميلاني كلاين وأنصار آنا فرويد..
لكن بعض المحللين لم يريدوا أن يصبحوا تابعين بالكامل لأي من الطرفين..

ومن هنا ظهر ما عرف لاحقًا بـ المجموعة المستقلة Independent Group أو Middle Group..ومن أشهر أسمائها السيد اللطيف Donald Winnicott..
وربما لم يغيّر أحد لغة التحليل النفسي عن الطفولة مثلما فعل وينيكوت..وبدل أن يبدأ من الدافع، بدأ من البيئة..
ومن هنا ظهرت أفكاره الشهيرة مثل الأم الجيدة بما يكفي..البيئة الحاضنة..الذات الحقيقية..الذات الزائفة..الموضوع الانتقالي..المجال الانتقالي..اللعب..
بالنسبة إلى وينيكوت، الذات لا تولد مكتملة..
هي تحتاج إلى بيئة تستطيع استقبالها لكي تظهر..

إذا اضطر الطفل باستمرار إلى التكيف مع حاجات البيئة بدل أن تستجيب البيئة لحاجاته، فقد تنمو لديه ذات زائفة تتقن التكيف لكنها تخفي شيئًا أكثر أصالة..
ثم جاء Wilfred Bion..😎

بدأ قريبًا من كلاين، لكنه كان منشغلًا بكيف يصبح الشعور نفسه قابلًا للتفكير؟
فالرضيع قد يملك انفعالًا لكنه لا يملك بعد جهازًا نفسيًا يستطيع فهم هذا الانفعال..
ومن هنا جاء مفهوم الحاوي والمحتوى..
الأم تستقبل شيئًا خامًا من الطفل..خوفًا أو توترًا أو انفعالًا غير قابل للتحمل..
ثم تعيده إليه في صورة أكثر احتمالًا وتنظيمًا..

وظهر أيضًا مفهوم وظيفة ألفا..أي العملية التي تتحول بها الخبرات الخام إلى خبرة يمكن التفكير فيها والحلم بها..

ومع بيون، انتقل التحليل إلى كيف أصبحنا قادرين أصلًا على التفكير؟
وفي الوقت نفسه تقريبًا، في فرنسا، كان رجل يعيد قراءة فرويد بطريقة ستنتج واحدة من أكثر المدارس إثارة للجدل في القرن العشرين..

جاك لاكان..🥸

منذ الخمسينيات رفع شعار:العودة إلى فرويد..
لكنه لم يعد إليه بالطريقة التقليدية..قرأه عبر اللسانيات والبنيوية والفلسفة..ظهر عنده المتخيل والرمزي والواقعي..المرحلة المرآتية..الدال..الآخر الكبير..الرغبة..النقص..Objet petit a..
Jouissance.
وأصبحت عبارته الشهيرة: "اللاوعي منظم مثل اللغة"..
بالنسبة إلى لاكان، الإنسان ليس فقط كائنًا لديه دوافع..هو كائن دخل منذ طفولته إلى اللغة..
واللغة لا تساعده فقط على التعبير عن نفسه..
بل تشارك في تشكيله أصلًا..
وبالتوازي مع هذه التطورات، ظهرت في باريس مدرسة أخرى شديدة الأهمية وهي مدرسة باريس للسيكوسوماتيك..
منذ الخمسينيات والستينيات، مع Pierre Marty وMichel Fain وMichel de M’Uzan وChristian David، بدأ السؤال: ماذا يحدث عندما لا تستطيع النفس معالجة بعض الخبرات انفعاليًا ورمزيًا؟
وظهر مفهوم: التفكير الإجرائي..
أي نمط تفكير شديد الالتصاق بالواقع والفعل، فقير نسبيًا في الخيال والتمثيل الانفعالي..

ثم مفاهيم مثل: Vie opératoire..Dépression essentielle..Mentalisation..
والتفكك السيكوسوماتي..

وكانت إحدى أفكار هذه المدرسة المهمة أنها لم تساوِ ببساطة بين المرض العضوي والعرض الهستيري..فالعرض التحويلي قد يحمل معنى رمزيًا واضحًا داخل الصراع النفسي، أما المرض الجسدي العضوي فلا يجوز اختزاله ببساطة إلى "رمز"نفسي..
وفي الفترة نفسها تقريبًا، كان John Bowlby يعيد فتح ملف العلاقة المبكرة من طريق مختلف..

كان Bowlby محللًا نفسيًا، لكنه أصبح غير راضٍ عن بعض التفسيرات التحليلية التقليدية لعلاقة الطفل بأمه..
بالنسبة إليه، التعلق ليس مجرد نتيجة ثانوية للإشباع الغذائي أو للدافع..
الطفل يحتاج فعلًا إلى القرب من شخص يمنحه الأمان..
ومن هنا نشأت نظرية التعلق ..

ثم جاءت Mary Ainsworth وقدمت دعمًا تجريبيًا واسعًا لدراسة أنماط التعلق..

وظهر معها مفهوم: Internal Working Models..

أي النماذج الداخلية التي يبني الإنسان من خلالها توقعاته عن نفسه وعن الآخرين..
هل الآخر متاح عندما أحتاج إليه؟هل أنا جدير بالرعاية؟هل العلاقة آمنة؟

وهكذا خرجت نظرية التعلق من رحم التحليل النفسي، لكنها تطورت لاحقًا إلى مجال مستقل واسع..

وفي الستينيات والسبعينيات ظهر خط آخر مع Margaret Mahler..🫠

التي سألت كيف يصبح الطفل ذاتًا منفصلة عن الأم؟
ومن هنا ظهرت نظرية الانفصال والتفرد..
كانت تحاول فهم الرحلة التي ينتقل فيها الطفل من اعتماد نفسي شديد إلى إحساس أوضح بالحدود والاستقلال..
ورغم أن بعض تصوراتها المبكرة عن الرضيع عُدلت لاحقًا في ضوء أبحاث النمو الحديثة، بقي تأثيرها مهمًا في التفكير التحليلي حول تكوين الذات..
ثم جاء Otto Kernberg ليقوم بعمل مختلف تمامًا وهو أن يدمج..أخذ من فرويد..ومن علم نفس الأنا..ومن كلاين..ومن علاقات الموضوع..
وحاول أن يبني نموذجًا يفسر تنظيم الشخصية، خصوصًا الحالات الحدّية والنرجسية..

وظهر عنده:
Borderline Personality Organization..
انتشار الهوية Identity Diffusion..الانشطار..المثالية البدائية..التماهي الإسقاطي..العدوان..والنرجسية المرضية..

ومن هذا الخط تطورت لاحقًا Transference-Focused Psychotherapy..
ثم، في السبعينيات، ظهر Heinz Kohut..😵‍💫

وكانت المشكلة التي واجهها أن بعض المرضى لا يبدو أن نموذج الصراع الفرويدي يفسرهم بالكامل..
بعضهم لم يكن يعاني أساسًا من رغبة قوية ضد دفاع قوي..
كان يعاني من شيء أشبه بهشاشة الذات..
ومن هنا نشأ علم نفس الذات وظهر مفهوم:
Self..Selfobject..Mirroring..Idealizing..Twinship..Empathy..Fragmentation.
بالنسبة إلى كوهوت، الطفل يحتاج إلى أن يُرى ويُعترف به وأن يستطيع أن يستند نفسيًا إلى شخص آخر..وإذا فشلت هذه الوظائف بصورة شديدة، فقد لا تكون المشكلة الأساسية مجرد كبت أو صراع، بل خلل في تماسك الذات نفسها..

وبالتوازي مع كل ذلك، كانت المدرسة الفرنسية بعد فرويد ولاكان تنتج أسماء يصعب اختزالها داخل مدرسة واحدة..
ظهر André Green بأفكاره عن السلبي، والأم الميتة، والفراغ، والحالات الحدية..
وظهر Jean Laplanche بنظرية الإغواء المعمم وبفكرة الرسائل الغامضة التي يتلقاها الطفل من الراشد..
وظهرت Piera Aulagnier بأعمالها حول نشأة النشاط النفسي والذهان..
وظهر Didier Anzieu بمفهوم الأنا-الجلدية..
وهكذا أصبح المشهد التحليلي في النصف الثاني من القرن العشرين شديد التنوع..
لكن التطور لم يتوقف..

في الثمانينيات، خصوصًا في الولايات المتحدة، بدأ اتجاه جديد يعلن أن السؤال التقليدي عن "العالم الداخلي للمريض"غير كاف..
ظهر التحليل النفسي العلائقي ..ومن أبرز أسمائه:
Stephen Mitchell..Jay Greenberg..Lewis Aron..Jessica Benjamin..Philip Bromberg..Donnel Stern..
كان هذا الاتجاه يحمل أثر Ferenczi وSullivan وFairbairn وWinnicott وKohut..
والفكرة الأساسية فيه كانت واضحة وهي النفس تتكون داخل العلاقات، والعلاج نفسه علاقة..
لم يعد المحلل يُتصور بسهولة كشاشة محايدة يجلس خارج المشهد..هو موجود في المشهد..
يؤثر ويتأثر..ومن هنا ظهرت مفاهيم مثل:
Two-Person Psychology..Mutual Influence..Enactment..Recognition..Relational Matrix.
أي أن ما يحدث في الجلسة ليس فقط إعادة للماضي، بل حدث علائقي حيّ يتكون بين شخصين..
ومن هذا المناخ ظهر أيضًا الاتجاه البينذاتي
مع Robert Stolorow وGeorge Atwood وDonna Orange..

وهنا سؤالنا أصبح هل يمكن أصلًا فهم أي خبرة نفسية بعيدًا عن السياق الذي نشأت فيه؟
فالخوف لا يوجد في الفراغ..والخجل لا يوجد في الفراغ..والشعور بالهجر لا يوجد في الفراغ..
كلها خبرات تظهر داخل علاقة أو ضمن سياق بينذاتي..
وفي التسعينيات ظهرت محاولة أخرى لربط التحليل النفسي بنظرية التعلق والبحث النمائي..

مع Peter Fonagy وMary Target وAnthony Bateman وظهر مفهوم Mentalization..
أي قدرة الإنسان على أن يرى السلوك بوصفه صادرًا عن حالات عقلية..
وقد يتحول الإنسان من فهم الآخر إلى افتراض أنه يعرف يقينًا ما يفكر فيه..

ومن هذا التيار تطور إلى Mentalization-Based Treatment – MBT..
خصوصًا في علاج اضطرابات الشخصية الحدّية..
ثم، مع نهاية التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، ظهر اتجاه مختلف في طموحه Neuropsychoanalysis..

ومع أسماء مثل Mark So ظهر سوال هل يمكن وضع بعض أفكار التحليل النفسي في حوار حقيقي مع علوم الأعصاب؟
هل نستطيع أن نبحث في الأحلام والانفعال والدافع والوعي واللاوعي من زاويتين: الذات النفسية والدماغ في آن واحد؟
ولم يكن المقصود ببساطة إثبات أن فرويد "كان محقًا في كل شيء"، بل إعادة فتح الأسئلة التحليلية في ضوء الأدلة العصبية الحديثة..
وهنا نصل إلى التحليل النفسي في صورته المعاصرة..

اليوم لم تعد هناك مدرسة واحدة تهيمن بصورة مطلقة كما كان يحدث في مراحل معينة من القرن العشرين..

يمكن أن نجد محللًا فرويديًا..وآخر كلاينيًا..وآخر بيونيًا..وآخر وينيكوتيًا..وآخر لاكانيًا..وآخر متأثرًا بكوهوت..وآخر بكيرنبيرغ..وآخر علائقيًا أو بينذاتيًا..
وفي كثير من الممارسات المعاصرة قد نجد محللًا يجمع بين أكثر من خط نظري..

وهكذا تحولت رحلة التحليل النفسي خلال أكثر من قرن من التركيز على الدافع إلى الأنا، ومن الأنا إلى الموضوع، ومن الموضوع إلى العلاقة، ومن العلاقة إلى الذات، ومن الذات إلى اللغة، ومن اللغة إلى التعلق والتفكير والانفعال والجسد والدماغ..

لكن شيئًا واحدًا بقي تقريبًا في قلب هذه الرحلة كلها وهي أن الإنسان ليس شفافًا أمام نفسه..
نحن لا نعرف دائمًا لماذا نحب..ولا لماذا نكره..ولا لماذا نكرر ما يؤذينا..ولا لماذا نخاف من أشياء نعرف عقلانيًا أنها لا تستحق كل هذا الخوف..
ولا لماذا نجد أنفسنا مرة أخرى داخل علاقة تشبه شيئًا ظننا أننا تجاوزناه منذ زمن..

ومن هنا بدأ التحليل النفسي..
ومن هنا، بطريقة أو بأخرى، ما زال مستمرًا..✌🏻

Adresse

Algiers

Site Web

Notifications

Soyez le premier à savoir et laissez-nous vous envoyer un courriel lorsque التحليل النفسي مع منال publie des nouvelles et des promotions. Votre adresse e-mail ne sera pas utilisée à d'autres fins, et vous pouvez vous désabonner à tout moment.

Raccourcis

Partager