التحليل النفسي مع منال

التحليل النفسي مع منال Informations de contact, plan et itinéraire, formulaire de contact, heures d'ouverture, services, évaluations, photos, vidéos et annonces de التحليل النفسي مع منال, Psychothérapeute, Algiers.

محللة نفسية تحت التكوين..
مهتمة بالتحليل النفسي الكلاسيكي وفكر فرويد..
أعمل على فهم ديناميكيات اللاوعي، الصدمات المبكرة، وأنماط التعلق التي تشكل حياتنا وعلاقاتنا..

10/08/2026

الطفل الذي يعيش وسط القلق والصوت العالي والعصبية وردود الأفعال غير المتوقعة لا يتعلم فقط أن "الكبار يغضبون"، بل قد يتعلم جهازه العصبي شيئًا أعمق وهو أن البيئة لا يمكن توقعها، وأن عليه أن يبقى مستعدًا للخطر..

فالطفل، خصوصًا في سنواته الأولى، لا يمتلك بعد القدرة الكاملة على تنظيم انفعالاته بنفسه.. عندما يخاف أو يتوتر، يحتاج إلى راشد يساعده على العودة إلى الهدوء. قبل أن يتعلم الطفل تنظيم نفسه، يُنظَّم داخل العلاقة، يستعير هدوء الآخر، ونبرة صوته، واحتواءه، واستجابته المتوقعة، ثم يبني تدريجيًا قدرته الخاصة على التهدئة والتنظيم..

وهنا نفهم عمق ما تحدث عنه السيد وينيكوت عندما وصف "البيئة الحاضنة"..فالطفل لا يحتاج فقط إلى الطعام والحماية والحب، وإنما يحتاج أيضًا إلى بيئة يستطيع أن يوجد داخلها دون أن يظل منشغلًا بالدفاع عن نفسه.. يحتاج إلى قدر معقول من الثبات، أن يعرف أن الخطأ لا يعني فقدان الحب، وأن غضب الأم أو الأب لا يعني انهيار العلاقة، وأن الحدود يمكن أن توضع دون إذلال أو ترهيب..

أما عندما يصبح مزاج الراشد غير قابل للتوقع، فإن الطفل يبدأ في تعلم شيء مختلف.. إذا كان الفعل نفسه يُقابل اليوم بهدوء وغدًا بانفجار، وإذا كان الطفل لا يعرف متى سيعلو الصوت ولا متى سيبدأ الغضب، فقد يتحول انتباهه من اكتشاف العالم إلى مراقبة الشخص الذي يفترض أن يمنحه الأمان.. يصبح خبيرًا في قراءة الوجوه، وتغير نبرة الصوت، ووقع الخطوات، وطريقة إغلاق الباب، والصمت المفاجئ.. وقد يسأل باستمرار: "هل أنت غاضب مني؟" ليس لأنه بالضرورة طفل "شديد الحساسية"، بل لأن معرفة الحالة الانفعالية للراشد أصبحت بالنسبة إليه وسيلة لمعرفة مستوى الأمان..

هنا يمكن أن يظهر ما يسمى بفرط اليقظة Hypervigilance..عندما يلتقط الجهاز العصبي إشارات التهديد، تبدأ استجابة الضغط، يتغير التنفس والنبض، وترتفع حالة الاستثارة، وتشارك منظومات عصبية وهرمونية، ومنها محور الوطاء–النخامى–الكظر HPA، في تجهيز الجسم للتعامل مع الخطر.. قد يقاتل الطفل، أو يحاول الهرب، أو يتجمد.. وقد يفعل شيئًا أقل وضوحًا بكثير وهو أن يتكيف مع مزاج الراشد..

ويلتقي هذا مع نظرية التعلق عند جون بوليي.. فالطفل عندما يخاف يبحث بصورة طبيعية عن مقدم الرعاية باعتباره "قاعدة آمنة" يعود إليها.. لكن المشكلة تصبح أكثر تعقيدًا عندما يكون الشخص الذي يُفترض أن يهدئ خوف الطفل هو نفسه مصدر الخوف.. يصبح الطفل أمام مفارقة مؤلمة وهي أريد الاقتراب منك لأنني خائف، لكنني أخاف منك أيضًا..

ولا يعني ذلك أن كل صراخ يسبب صدمة، أو أن على الوالدين ألا يغضبوا أبدًا.. هذه صورة غير واقعية عن التربية.. الضغط ليس ضارًا دائمًا، والإحباط المحتمل جزء طبيعي من النمو.. الخطورة ترتفع عندما يكون الضغط شديدًا أو متكررًا أو طويلًا، وخاصة عندما يغيب الراشد الداعم الذي يساعد الطفل على العودة إلى التوازن.. لذلك فالمشكلة ليست وجود الغضب، بل أن يصبح الخوف وعدم القدرة على التنبؤ هما المناخ المعتاد للعلاقة..

الطفل الذي لا يعرف متى سيأتي الانفجار، ولا لماذا حدث، ولا متى سينتهي، فقد يتعلم جسده أن الهدوء ليس بالضرورة أمانًا، بل ربما يكون مجرد الفترة التي تسبق العاصفة..

وقد يكبر هذا الطفل ويغادر البيت الذي عاش فيه، لكن بعض أنماط الاستجابة التي تعلمها قد تستمر.. يتغير صوت شخص أمامه قليلًا فيتوتر، يتأخر الشريك في الرد فيبدأ القلق، يرى وجهًا عابسًا فيسأل فورًا: "هل أنت غاضب مني؟"، أو يتحول خلاف بسيط إلى شعور داخلي بأن العلاقة كلها مهددة.. يبدو رد الفعل أحيانًا أكبر من الموقف الحالي، لأن الجهاز العصبي تعلم سابقًا أن إشارات صغيرة كهذه قد تسبق شيئًا أكبر..

لهذا، عندما نربي طفلًا، فنحن لا نعلّمه فقط كيف يأكل ويتحدث ويلتزم بالقواعد، نحن نشارك أيضًا في تشكيل توقعاته عن العلاقات والعالم..
شيء هل الآخر مكان يمكن الاحتماء به أم شخص يجب مراقبته؟ هل يمكنني أن أغضب دون أن أفقد الحب؟ هل يمكنني أن أخطئ دون أن أشعر بأن وجودي كله مرفوض؟ وهل العالم مكان أستطيع أن أسترخي فيه، أم مكان يجب أن أبقى فيه متيقظًا؟

فالطفل لا يتعلم الأمان عندما نقول له باستمرار"لا تخف"..يتعلمه عندما يخاف ثم يجد شخصًا قادرًا على استيعاب خوفه ومساعدته على العودة إلى الهدوء..

الطفل يتعلم الأمان داخل العلاقة..

يُعدّ مفهوم حسد القضيب من أكثر مفاهيم عزيزي فرويد إثارةً للجدل، وربما من أكثرها تعرضًا للاختزال والسخرية أيضًا..فكثيرًا ...
10/08/2026

يُعدّ مفهوم حسد القضيب من أكثر مفاهيم عزيزي فرويد إثارةً للجدل، وربما من أكثرها تعرضًا للاختزال والسخرية أيضًا..فكثيرًا ما يُقدَّم وكأن فرويد قال ببساطة إن "كل امرأة تتمنى لو كانت رجلًا"، أو إن المرأة تعيش حياتها شاعرة بالنقص لأنها لا تمتلك قضيبًا.. غير أن هذه القراءة، وإن وجدت بعض ما يغذيها في صياغات فرويد نفسه، تختزل بناءً نظريًا أكثر تعقيدًا يتعلق بعلاقة الطفل بالجسد، والاختلاف الجنسي، والنرجسية، والخصاء، والرغبة، والفقد..

لفهم حسد القضيب عند فرويد، علينا أولًا أن نتخلى عن نظرتنا الراشدة إلى الجسد.. فالطفل لا ينظر إلى الاختلاف التشريحي كما ينظر إليه طبيب يعرف أن هناك جسدًا ذكريًا وآخر أنثويًا.. الطفل لا يمتلك منذ البداية هذا النظام المفاهيمي الناضج، بل يكتشف جسده وجسد الآخر تدريجيًا، ويمنح ما يراه معاني مستمدة من خيالاته ورغباته ومخاوفه.. وفي المرحلة التي سماها فرويد المرحلة القضيبية يصبح العضو التناسلي موضوعًا للاستثمار النفسي، وتتقاطع حوله أسئلة الامتلاك والفقد والاختلاف والخصاء..

من هنا افترض فرويد أن الطفلة، حين تكتشف الاختلاف التشريحي بينها وبين الصبي، قد لا تفهمه في البداية باعتباره مجرد اختلاف بين جسدين، بل قد تؤوله بمنطق طفولي على أنه امتلاك في مقابل حرمان: الآخر يمتلك شيئًا لا أملكه.. وهنا يظهر ما سماه بحسد القضيب..

لكن الخطأ هو أن نتوقف عند القضيب بوصفه قطعة من التشريح.. فالتحليل النفسي لا يسأل فقط: ماذا يوجد في الجسد؟ بل يسأل أيضًا: ماذا يعني هذا الشيء بالنسبة إلى الذات؟

قد يصبح القضيب في الخيال الطفولي حاملًا لمعانٍ تتجاوز العضو نفسه: القوة، والاكتمال، والحرية، والامتياز، والقدرة، وموقعًا مرغوبًا في عين الآخر.. وعندها لا يعود السؤال ببساطة: "لماذا لا أمتلك قضيبًا؟"، بل لماذا يمتلك الآخر ما أفتقده؟ لماذا أُعطي هو ولم أُعطَ أنا؟ وهل افتقاري إلى ما يملكه يعني أنني أقل قيمة؟

هنا يدخل البعد النرجسي للمسألة.. فالاختلاف لا يصبح مؤلمًا إلا عندما يُترجم نفسيًا إلى نقصان.. وهذا التمييز بالغ الأهمية، فالاختلاف واقعة، أما النقص فهو معنى نفسي يُعطى لهذه الواقعة..

لنفترض مثلًا طفلة تنشأ في أسرة ترى أخاها يخرج ويلعب ويسافر ويتخذ قراراته بحرية، بينما تسمع كلما طالبت بالشيء نفسه: "هو ولد وأنت بنت".. هنا قد يحدث تراكب نفسي بين الاختلاف التشريحي والاختلاف في السلطة.. قد يصبح الذكوري في خيالها مرادفًا للحرية والقدرة والامتياز، والأنثوي مرادفًا للمنع.. فإذا قالت في طفولتها: "أتمنى لو كنت ولدًا"، فليس من الضروري أن تكون رغبتها الأساسية امتلاك العضو الذكري نفسه، ربما كانت تقول، بلغة الجسد، شيئًا آخر تمامًا مثل :"أتمنى أن أمتلك ما يمتلكه من حرية وقوة واعتراف"..

وهنا تحديدًا يصبح مفهوم فرويد أكثر تعقيدًا، لكنه يصبح أيضًا أكثر عرضة للنقد: أين ينتهي أثر التشريح، وأين يبدأ أثر الثقافة؟

في نصه الشهير سنة 1925 حول النتائج النفسية للاختلاف التشريحي بين الجنسين، ثم في محاضرته عن الأنوثة سنة 1933، أعطى فرويد لحسد القضيب دورًا مهمًا في نظريته عن التطور النفسي للفتاة.. وافترض أن اكتشاف الاختلاف قد يسبب جرحًا نرجسيًا، وأن الغضب يمكن أن يرتد نحو الأم التي قد تُحملها الطفلة، في خيالها، مسؤولية هذا الحرمان.. ومن هنا ربط فرويد المسألة أيضًا بتحول علاقة الفتاة بالأم وبمسار عقدة أوديب..

كما تحدث عن إمكان ظهور ما سماه عقدة الذكورة أي استمرار التمسك بموقع ذكوري متخيَّل بوصفه محاولة لمقاومة النقص أو التعويض عنه..وهنا أيضًا يجب الحذر الشديد من التطبيق الساذج..فالمرأة الطموحة أو القوية أو المستقلة أو التي تنافس الرجال لا تعاني، لمجرد ذلك من عقدة الذكورة.. فالتحليل النفسي لا يشخّص الإنسان من سلوكه الظاهر وحده، بل يسأل عن المعنى اللاشعوري لهذا السلوك..

فامرأة تريد النجاح لأنها تحب عملها ليست كأخرى لا تستطيع احتمال نجاح رجل بجوارها لأنه يوقظ فيها باستمرار شعورًا مهينًا بأنها أقل قيمة..وامرأة تحب الاستقلال ليست كأخرى تحتاج بصورة قهرية إلى إثبات أن "كل ما يفعله الرجال أستطيع أن أفعله أفضل منهم"، وتحتقر في الوقت نفسه كل ما تعتبره أنثويًا، وتربط الضعف بالمرأة والقوة بالرجل.. في الحالة الثانية فقط قد يصبح من المشروع، ضمن قراءة تحليلية، التساؤل عن وجود دفاع ضد جرح نرجسي أو صراع متعلق بالتماهي والاختلاف الجنسي.. وحتى هنا لا يجوز للمحلل أن يفرض التفسير مسبقًا، يجب أن يظهر المعنى من التداعيات، والخيالات، والأحلام، والتحويل، والتكرار..

ولهذا أيضًا لا يصح القول إن حسد القضيب هو اضطراب نفسي.. لا يوجد في التصنيفات النفسية الحديثة اضطراب اسمه حسد القضيب، ولا توجد معادلة علمية تقول إن حسد القضيب يؤدي إلى الاكتئاب أو الهستيريا أو اضطراب الشخصية.. داخل نموذج فرويد يمكن للصراع غير المحلول حول الاختلاف والخصاء والنرجسية أن يدخل في تكوين العصاب والكف الجنسي وبعض أشكال التنافس والدفاع والتعويض، لكن ذلك جزء من نظرية فرويد الدينامية وليس تشخيصًا طبيًا مستقلًا..

وهنا نصل إلى السؤال الذي جعل النظرية موضع هجوم شديد: لماذا افترض فرويد أصلًا أن الطفلة ستنظر إلى نفسها باعتبارها محرومة؟ لماذا يكون الجسد الذكري هو المعيار الذي يُقاس عليه الجسد الأنثوي؟ ولماذا لا نفترض، بالعكس، أن الصبي عندما يكتشف أن المرأة تستطيع الحمل والولادة قد يشعر هو أيضًا بأنه محروم من قدرة لا يمتلكها؟

اعترضت محللات نفسيات، ومن أبرزهن Karen Horney، على مركزية القضيب في تفسير نفسية المرأة، ولفتت إلى أن ما يبدو حسدًا للذكورة قد يكون في حالات كثيرة حسدًا للسلطة الاجتماعية والامتياز والاستقلال التي كانت الثقافة تمنحها للرجل..ومن هنا ارتبط النقد اللاحق أيضًا بفكرة حسد الرحم.. فإذا كانت المرأة تستطيع أن تحسد الرجل على شيء في جسده، فلماذا يستحيل أن يحسد الرجل المرأة على الحمل والولادة والأمومة؟

وصراحةً الاعتراض وجيه..

و الدفاع الجاد عن عزيزي فرويد لا ينبغي أن يقوم على إنكار هذه المشكلة.. بعض صياغاته حول الأنوثة تحمل بالفعل أثر زمنه وثقافته، وبعض تعميماته على النساء يصعب الدفاع عنها اليوم بوصفها حقائق علمية عامة.. كما أن علم النفس المعاصر لا يعتبر حسد القضيب مرحلة تطورية عالمية مثبتة تجريبيًا تمر بها جميع الفتيات..

لكن هذا لا يعني أن علينا الانتقال إلى الطرف الآخر والقول إن الظاهرة النفسية التي كان يحاول وصفها فرويد لا يمكن أن توجد أصلًا.. فالخيال اللاشعوري أكثر غرابة من التصنيفات الاجتماعية الواعية.. قد تتمنى طفلة فعلًا امتلاك قضيب، كما قد يتمنى طفل أن يستطيع الحمل، وقد يحسد أحدهما الآخر على عضو أو قدرة أو موقع.. السؤال التحليلي ليس ما إذا كانت هذه الرغبة منطقية أولا ، لأن اللاشعور لا يعمل أصلًا وفق منطق الراشد..

وهنا يجب التفريق بين شيئين كثيرًا ما يُخلطان وهما : وجود الظاهرة سريريًا، وعالميتها نظريًا..

أن نجد في تداعيات بعض النساء خيالات مرتبطة بامتلاك القضيب أو تفضيل الذكورة أو الشعور بالنقص بسبب الجسد لا يثبت أن جميع النساء مررن بالعملية نفسها.. وهذه إحدى نقاط الضعف المنهجية في بعض تعميمات التحليل النفسي المبكر وهي الانتقال من المادة السريرية الفردية إلى نظرية كونية عن النمو النفسي..

لنتخيل مثلًا امرأة تقول في التحليل: "لا أحتمل الرجال أصحاب السلطة".. لا ينبغي للمحلل أن يقفز ويقول: "أنت تحسدين القضيب".. هذه ليست ممارسة تحليلية، بل إسقاط للنظرية على المريض..لكن إذا بدأ التداعي الحر، فتذكرت المرأة أنها كانت في طفولتها ترغب في الذهاب مع أبيها وإخوتها، وأنها كانت تُمنع دائمًا لأنها فتاة، ثم تذكرت أنها كانت تتمنى أن تصبح ولدًا، ثم قالت: "كنت أعتقد أن أبي كان سيحبني أكثر لو كنت ذكرًا"، ثم ظهرت الأحلام والذكريات والتكرارات التي تربط الذكورة بالقيمة والحب والسلطة، فهنا أصبح لدينا بناء نفسي يستحق الاستكشاف..

وعندها لا يكون السؤال: "هل تريد قضيبًا؟"بل: ماذا كان القضيب يمثل لها؟

ربما كان يمثل الدخول إلى عالم الأب.. وربما الحب.. وربما الاعتراف.. وربما الحرية.. وربما الحماية.. وربما بالفعل العضو نفسه.. لا نعرف مسبقًا..

وهذا هو الفارق بين التحليل والتلقين..

أما مسألة هل أثبت العلم حسد القضيب؟ فالإجابة الدقيقة هي: لا، ليس باعتباره قانونًا نفسيًا عامًا أو مرحلة عالمية مثبتة في نمو كل فتاة.. توجد دراسات ومحاولات بحثية اختبرت جوانب محدودة من بعض الفرضيات الفرويدية، لكنها لا تكفي لإثبات البناء النظري كله..والدليل الذي اعتمد عليه فرويد كان أساسًا دليلًا سريريًا وتأويليًا مستخرجًا من التداعي الحر والأحلام والأعراض والخيالات والمقاومة والتحويل، وهذا يختلف منهجيًا عن مفهوم الإثبات في علم النفس التجريبي المعاصر..

القضيب عند فرويد لا يعيش في التشريح وحده، إنه يدخل إلى الحياة النفسية ويصبح تمثيلًا، والتمثيل يمكن أن يحمل فوق العضو الواقعي معاني لم تكن موجودة فيه أصلًا.. وهكذا يستطيع الجسد أن يصبح لغة يتحدث بها اللاشعور عن القوة والحب والحرمان والاختلاف والقيمة..

وربما هنا تكمن القيمة التي ما زالت قابلة للنقاش في مفهوم حسد القضيب بعد أكثر من قرن، ليس في أن المرأة "كائن ناقص يريد أن يصبح رجلًا"، فهذا اختزال لا ينبغي الدفاع عنه، بل في السؤال الأكثر عمقًا الذي وضعه فرويد أمامنا:
ماذا يحدث عندما يكتشف الطفل أن الآخر مختلف عنه، ثم يفسر هذا الاختلاف باعتباره شيئًا يمتلكه الآخر ويفتقده هو؟

من هنا تبدأ النرجسية، والمقارنة، والحسد، والجرح، والتعويض، والتماهي والدفاع..

فالإنسان لا يحسد الآخر دائمًا على الشيء نفسه، إنه يحسده أحيانًا على المعنى الذي وضعه في ذلك الشيء..

وهذه نقطة إذا صح التعبير شديدة الفرويدية..

قد لا يكون الإنسان راغبًا فيما يملكه الآخر بقدر ما يكون راغبًا فيما يتخيل أن امتلاكه سيجعله عليه..

وهكذا، خلف القضيب قد نجد السلطة، وخلف السلطة الاعتراف، وخلف الاعتراف حب الأب، وخلف حب الأب جرحًا نرجسيًا قديمًا..

هل مازلت تظن أن المرأة تريد قضيبًا؟
أم..
ما الذي تعتقد ذات هذه الطفلة أنها ستصبحه لو امتلكت ما (تعتقد) أنها حُرمت منه؟

هذا السؤال هو ما يستحق أن يبقى من عزيزي فرويد..

09/08/2026

ما عليك معرفته أنت كراشد هو أن الطفل لا يعرف شيئًا عن الحرب بين أمريكا وإيران، ولا يفهم معنى التضخم والأزمة الاقتصادية، ولا يعرف أن فاتورة الكهرباء ارتفعت، وأن عليك دفع الماء والغاز والإيجار..

لا يعرف أن مديرك أزعجك صباحًا، وأنك عالق في زحمة المرور، وأنك قضيت نصف ساعة تبحث عن مكان تركن فيه السيارة…

ولا يعرف شيئًا عن اضطراب هرموناتك، ولا عن خلافاتك الزوجية، ولا عن الضغوط التي تحملها منذ أن استيقظت…

هذه كلها مشكلات عالم الراشدين..

أما الطفل، فلا يعيش العالم بالطريقة التي تعيشه بها أنت.

هو لا يقرأ الأخبار، ولا يفهم الاقتصاد، ولا يحلل الظروف الاجتماعية والسياسية التي تفسر توترك..

هو يعرف شيئًا أبسط بكثير هو أنك "أنت عالمه"..

الطفل، في بدايات حياته، لا يمتلك بعد جهازًا نفسيًا ناضجًا يستطيع من خلاله أن يقول:
«أمي متوترة بسبب مشكلاتها الخاصة، وهذا لا علاقة له بي»..
أو:
«أبي غاضب لأن يومه كان صعبًا، وليس لأنني طفل سيئ»..

هذه القدرة على الفصل والتفسير تأتي لاحقًا..
في البداية، تُعاش الحياة من خلال العلاقة..

ولهذا اهتم السيد وينيكوت بما سمّاه البيئة الحاضنة ، أي ذلك الوسط العاطفي الذي يحيط بالطفل ويمنحه قدرًا كافيًا من الاستمرارية والأمان والاستجابة لحاجاته..

فالطفل لا يحتاج إلى والدين كاملين، ولهذا جاءت فكرته الشهيرة عن "الأم الجيدة بما يكفي"

والمطلوب هنا ليس ألا تغضب أبدًا، وألا تتعب، وألا تخطئ..هذا مستحيل.

المهم أن يكون هناك قدر كافٍ من الثبات النفسي، وأن يستطيع الراشد بعد الانقطاع أن يعود إلى العلاقة: أن يهدأ، أن يحتوي، أن يصلح ما أفسده الغضب، وألا يجعل الطفل حاوية دائمة للضغط الذي لا يستطيع هو نفسه احتماله..

لأن المشكلة ليست أن يراك الطفل متعبًا..

المشكلة أن يصبح تعبك هو المناخ الذي يعيش داخله..
وليست المشكلة أن تغضب مرة..المشكلة أن يتعلم الطفل، من خلال التكرار، أن الشخص الذي يعتمد عليه قد يتحول في أية لحظة إلى مصدر خوف لا يستطيع توقعه..

هنا لا يعود الأمر متعلقًا بموقف عابر، بل بما يسميه وينيكوت استمرارية الوجود ،ذلك الإحساس المبكر بأن الطفل يستطيع أن يوجد، ويلعب، ويشعر، ويطلب، ويستكشف، من دون أن يكون مضطرًا باستمرار إلى حماية نفسه من البيئة..

وعندما تكون البيئة شديدة التقلب أو الاقتحام، قد يضطر الطفل إلى التكيف معها بدل أن تتكيف هي مع احتياجاته النمائية..

فيبدأ بمراقبة الوجوه..يصغي إلى نبرة الصوت..يتعلم متى يصمت..يخفي بعض احتياجاته..

وقد يصبح "طفلًا جيدًا" أكثر مما ينبغي، ليس لأنه نضج مبكرًا، وإنما لأنه تعلّم أن سلام العلاقة يتطلب منه ألا يزعج الراشد..

وهنا يظهر ما سماه وينيكوت بالذات الزائفة ،حين يصبح التكيف مع مطالب البيئة أكثر حضورًا من التعبير العفوي عن الذات..

لهذا فإنك حين تعود إلى المنزل محمّلًا بكل أعباء العالم، تذكّر أن الطفل لا يعرف قصة ذلك الغضب كاملة..

أنت تعرف أن هناك فاتورة تنتظرك..هو يرى وجهًا عابسًا.
أنت تعرف أن رئيسك أهانك..هو يسمع صوتًا مرتفعًا..
أنت تعرف أنك خائف من المستقبل..هو يشعر أن البيت لم يعد آمنًا..
أنت تعرف أنك غاضب من الحياة..أما هو، فقد يعتقد أن الحياة غاضبة منه..

وهذه ربما واحدة من أهم مسؤوليات الراشد تجاه الطفل:ألا يجعل الطفل يدفع نفسيًا ثمن أشياء لم يكن طرفًا فيها..

فالبيت هو أول نسخة مصغرة من العالم يلتقي بها الطفل، والوالدان هما أول وسيط بينه وبين هذا العالم..

ومن خلالهما يبدأ، بصورة ضمنية، في تكوين إجاباته الأولى عن أسئلة لم يتعلم حتى كيف يطرحها:هل العالم آمن أم يجب أن أحذره؟
هل يمكنني أن أطلب عندما أحتاج؟
هل أخطائي محتملة؟
هل مشاعري مسموح بها؟
هل الآخر سيبقى موجودًا عندما أغضب؟
هل الحب ثابت، أم يمكن سحبه مني في أية لحظة؟

طفولة الإنسان ليست مجرد مرحلة يتعلم فيها كيف يعيش في العالم، بل هي المرحلة التي يتعلم فيها، من خلال من يرعونه، أي نوع من الأماكن هو العالم أصلًا..

أنت بالنسبة إلى الطفل لست العالم كله إلى الأبد…
لكن لفترة من حياته، أنت أول عينة منه..

أول Trailer يشاهده قبل أن يدخل الفيلم الطويل الذي نسميه الحياة..

فاحرص، قدر استطاعتك، ألا تجعل مشكلات عالمك الراشد تقنع طفلًا لا يعرف عنها شيئًا بأن العالم مكان مخيف..

08/08/2026

حتى قبل دراستي للتحليل النفسي كان فيلم Shutter Island بالنسبة لي مادة ثرية للقراءة التحليلية، في كل مرة أُشاهده أجد نفسي أُردد "ما الذي اضطر أندرو إلى ألا يعرفه، رغم أنه يعرفه في مكان ما من نفسه؟"

في البداية كنت أظن أن أندرو يعاني «انفصام الشخصية» بالمعنى الشائع، لكن مع الوقت ما نراه هو أقرب إلى بناء وهامي شديد مصحوب بانقطاع عن الواقع ودفاعات إنكارية وانفصالية..
"تيدي دانيلز"ليس مجرد شخصية ثانية ظهرت اعتباطًا، بل هو بناء نفسي يمنح أندرو هوية يستطيع أن يعيش داخلها عندما تصبح هويته الحقيقية مرتبطة بقدر لا يُطاق من الصدمة والفقد والذنب..

في الفيلم نرى زوجته دولوريس، التي كانت تعاني اضطرابًا نفسيًا شديدًا، تسببت في موت أطفالهما، ثم قتلها أندرو بعد اكتشاف ما حدث.. هنا لا تكون الصدمة مجرد حدث وقع في الخارج، بل تصبح حدثًا يعجز الجهاز النفسي عن ربطه وتمثيله وإدخاله في سيرته الذاتية..
فلكي يقول: "أنا أندرو ليديس"، عليه في الوقت نفسه أن يقول: أنا الرجل الذي فقد أطفاله، والرجل الذي لم يمنع الكارثة، والرجل الذي قتل المرأة التي أحبها.. إن الاعتراف بالاسم يصبح اعترافًا بسلسلة كاملة من الحقائق المؤلمة..

ولهذا يبني أندرو عالم "تيدي دانيلز"..وهنا تظهر عبقرية الدفاع النفسي: أندرو، الذي لا يستطيع احتمال موقعه داخل المأساة، يصبح في وهمه محققًا يبحث عن المجرم.. بدل أن يكون هو موضوع التحقيق، يصبح هو المحقق، وبدل أن يواجه الذنب في داخله، يبحث عن مذنب في الخارج، وبدل أن يكون نزيلًا في المؤسسة، يتخيل نفسه رجل قانون دخلها بإرادته لكشف أسرارها.. إنه انقلاب كامل في المواقع النفسية، يسمح للأنا بأن يبتعد عن الحقيقة من دون أن يتخلى عنها تمامًا..

وهنا نستطيع أن نفهم ما وصفه عزيزي فرويد في تحليله للذهان أن الهذيان ليس دائمًا مجرد انهيار للمعنى، بل قد يكون محاولة لإعادة بناء عالم أصبح الواقع فيه غير قابل للاحتمال.. ففي دراسته لحالة الرئيس شريبر، رأى فرويد أن البناء الهذياني يحمل وظيفة ترميمية، فبعد أن تتصدع علاقة الذات بالواقع، تحاول النفس أن تشيد واقعًا جديدًا تستطيع أن تسكنه..
ومن هذه الزاوية، عالم تيدي ليس فوضى.. على العكس، إنه عالم شديد التنظيم، فهناك مؤامرة، وأطباء يخفون شيئًا، ومريضة اختفت، وتجارب سرية، ومجرم يجب العثور عليه، ومحقق سيكشف الحقيقة في النهاية.. كل شيء يمتلك سببًا، لأن وجود مؤامرة خارجية أكثر احتمالًا نفسيًا من مواجهة الكارثة الداخلية..

وهنا يؤدي الإسقاط وظيفة أساسية.. ما لا يستطيع أندرو أن يحتمله داخل ذاته يُعاد العثور عليه في الخارج.. الخطر هناك، الشر هناك، الخداع هناك، والمذنب هناك.. وكأن الأنا يقول: "إذا استطعت أن أجعل مصدر الرعب خارج نفسي، فسأستطيع محاربته".. وهكذا يتحول الصراع الداخلي إلى مطاردة خارجية، ويتحول الذنب إلى اتهام، ويتحول العجز إلى تحقيق..

لكن !! اللاشعور لا يحترم الروايات التي يكتبها الأنا لنفسه..

فالحقيقة التي جرى إقصاؤها تستمر في العودة.. تظهر في الأحلام، وفي صور زوجته وأطفاله، وفي الأسماء، وفي التفاصيل التي لا تنسجم تمامًا مع قصة تيدي.. وهنا نقترب مما سماه فرويد عودة المكبوت، فما يُدفع بعيدًا عن الوعي لا يعني أنه أُبيد.. إنه يستمر في العمل، ويبحث عن منفذ للعودة، لكنه يعود غالبًا بصورة محرفة أو رمزية أو عرضية..

لذلك يمكن النظر إلى هذا الفيلم كله بوصفه صراعًا بين قوتين: جزء من النفس يقول "يجب ألا أعرف"، وجزء آخر يصر على أن "الحقيقة موجودة وستعود".. وكلما أحكم أندرو بناء وهمه، تسللت الحقيقة من شقوقه..

ومن هنا تكتسب رمزية الماء والنار أهميتها.. ففي الرواية الدفاعية التي يعيشها تيدي، تحتل النار مكانًا بارزًا في تفسير ماضيه، بينما تقوده الحقيقة الفعلية باستمرار نحو الماء، المرتبط بالمأساة التي يحاول إنكارها.. لا يعني ذلك أن "الماء يرمز دائمًا إلى كذا" أو "النار ترمز دائمًا إلى كذا"، فهذه قراءة رمزية سطحية لا تليق بالتحليل النفسي، المهم هو وظيفة كل صورة داخل الاقتصاد النفسي للشخصية.. بعض الصور تدعم الرواية التي يستطيع الأنا احتمالها، وبعضها يعيده إلى الحقيقة التي يحاول الإفلات منها..

حتى الجزيرة نفسها يمكننا فهمها كاستعارة نفسية.. إنها مكان مغلق، معزول، تحاصره المياه، والخروج منه يبدو مستحيلًا.. وكأن المكان الخارجي أصبح تمثيلًا للجهاز النفسي نفسه، (أندرو محاصر داخل بنائه الدفاعي، فيما تحيط به الحقيقة من كل جانب)..

ويمكن فهم هذا الصراع أيضًا من خلال العلاقة بين مبدأ اللذة ومبدأ الواقع عند عزيزي فرويد.. فمبدأ الواقع يفرض على الأنا الاعتراف بما حدث، مهما كان مؤلمًا، بينما تسعى النفس إلى خفض مقدار الألم والتوتر.. وعندما يصبح الواقع فوق طاقة الأنا، قد يصبح تشويهه أقل إيلامًا من الاعتراف به..لذلك لا يكون الوهم عند أندرو مجرد خطأ معرفي، إنه حل دفاعي كارثي (يحميه من ألم لا يستطيع احتماله، لكنه يفعل ذلك بثمن باهظ هو فقدان علاقته المستقرة بالواقع)..

و أكثر ما كان يعذب أندرو ليس الفقد وحده، بل الذنب..وهنا يدخل الأنا الأعلى إلى المشهد.. فأندرو لا يحمل فقط حزن الأب الذي فقد أطفاله، إنه يحمل أيضًا سؤالًا داخليًا قاسيًا حول مسؤوليته وعجزه وما كان ينبغي أن يراه أو يفعله قبل وقوع المأساة.. وعندما يصبح الأنا الأعلى ساديًا، لا يعود مجرد ضمير أخلاقي، بل يتحول إلى محكمة داخلية لا تنتهي جلساتها.. مهما حاول الأنا الدفاع عن نفسه، يعيد القاضي الداخلي فتح القضية..

ومن هنا يصبح من الممكن قراءة الفيلم أيضًا على ضوء الحداد والمالنخوليا..فالحداد يقتضي الاعتراف بالفقد والقيام بعمل نفسي طويل يسمح للذات، تدريجيًا، بأن تعترف بأن موضوع الحب قد فُقد.. لكن ماذا يحدث عندما يمتزج الفقد بالذنب والعدوان والحب والعجز؟ هنا قد يتعطل عمل الحداد.. يصبح المفقود حاضرًا داخل النفس بصورة مؤلمة، ولا يستطيع الإنسان أن يفقده تمامًا ولا أن يستعيده..

أندرو، بهذا المعنى، لا يستطيع أن يحزن فقط، لأنه قبل أن يحزن عليه أن يعترف بما حدث.. والاعتراف بما حدث يعني انهيار العالم الدفاعي الذي يحميه من الذنب..

وهنا يظهر أيضًا التكرار القهري.. عزيزي فرويد لاحظ أن الإنسان لا يتذكر دائمًا ما لم يستطع معالجته، أحيانًا يعيده.. وما لم يصبح ذكرى قابلة للكلام قد يتحول إلى فعل أو سيناريو يتكرر.. وهذا تقريبًا ما يفعله أندرو طوال الفيلم (يعيد بناء عناصر مأساته داخل قصة التحقيق.. هناك امرأة، وأطفال، واختفاء، وجريمة، ومذنب، وحقيقة مخفية، ورجل يبحث متأخرًا عما حدث.. إنه يدور حول مركز الصدمة دون أن يستطيع الوصول إليه.. لا يقول الماضي: "تذكرني"، بل يجعله يعيد تمثيله..

ولهذا فإن العلاج الذي يحاول الأطباء القيام به يحمل معنى تحليليًا مهمًا.. لا تكفي مواجهة أندرو بالمعلومة: "أنت أندرو ليديس ولست تيدي دانيلز".. لأن مشكلته ليست نقصًا في المعرفة.. إنه يعرف ولا يستطيع أن يعرف في الوقت نفسه.. وهذه إحدى المفارقات التي عرفها التحليل النفسي منذ بدايته(قد يمتلك الإنسان الحقيقة على مستوى ما، لكنه يقيم دفاعًا هائلًا حتى لا تصبح تلك الحقيقة ملكًا واعيًا للأنا)..

نهاية الفيلم بالنسبة لي كانت مؤلمة للغاية.. فالسؤال لا يعود: هل تذكر أندرو الحقيقة؟ بل يصبح: هل يستطيع أن يعيش بعد أن يتذكرها؟

وهذا فرق جوهري.. فرفع الدفاع لا يعني بالضرورة انتهاء المعاناة.. لكي تصبح الحقيقة قابلة للحياة، يجب أن تستطيع النفس تمثيلها، ووضعها في كلمات، والحداد عليها، وتحمل ما تثيره من ذنب وحزن وعدوان.. أما الحقيقة التي تقتحم النفس من دون أن يستطيع الأنا احتواءها فقد تصبح مدمرة بقدر الوهم الذي كان يحميه منها..

لهذا أرى أن Shutter Island ليس في جوهره فيلمًا عن "الجنون أو الفُصام"، بل عن الدفاع النفسي أمام حقيقة لا تُطاق.. إنه يطرح واحدًا من أكثر الأسئلة الفرويدية قسوة: ماذا تفعل النفس عندما تصبح الحقيقة عن الذات أشد إيلامًا من المرض نفسه؟

إن أندرو لا يخلق تيدي لأنه لا يعرف الحقيقة، بل لأنه يحتاج إلى شخص آخر يحمل الحياة بدلًا منه.. يحتاج إلى أن يكون المحقق لا المتهم، والمنقذ لا العاجز، والرجل الذي يبحث عن الشر لا الرجل الذي يخشى العثور على أثره داخل تاريخه الخاص..

وهنا تكمن مأساة الفيلم كلها: أندرو يستطيع أن يهرب من اسمه، ومن ماضيه، ومن موقعه داخل القصة، لكنه لا يستطيع أن يهرب من لاشعوره..

فما لا تستطيع النفس أن تتذكره وتحدّ عليه، قد تضطر إلى تكراره، وما لا تستطيع الاعتراف به بوصفه جزءًا من تاريخها، قد يعود إليها في صورة عرض أو حلم أو وهم..وربما كان أندرو يعرف الحقيقة منذ البداية، لكنه احتاج إلى جزيرة كاملة كي يضع بينها وبينه مسافة يستطيع داخلها أن يبقى حيًا نفسيًا..

08/08/2026

لا ينبغي للإنسان أن يخجل من خطئه وهو يتعلّم، فالخطأ هو جزء أصيل من المعرفة، ودليل على أن العقل يراجع نفسه ويتقدم..
المحرج حقًا ليس أن تجهل، بل أن تدافع عن جهلك، أن تُقدَّم لك فرصة للفهم، فتختار المكابرة، وأن تتمسك بما لا تعرفه كأن الاعتراف بالخطأ هزيمة..
الإنسان الذي يتعلم يملك شجاعة أن يقول: "كنت مخطئًا"، لأن تغيير الرأي أمام معرفة أفضل ليس ضعفًا، بل نضج فكري..
أما الجهل الذي يتحول إلى موقف يجب الدفاع عنه، فهو اللحظة التي يتوقف فيها الجهل عن كونه نقصًا في المعرفة، ويصبح رفضًا للمعرفة نفسها..

07/08/2026

بعض الناجين قد يجدون أنفسهم مرارًا في مواقف حياتية تعيد إنتاج الصدمة السابقة، كما لو أن العالم الداخلي الاضطهادي يجد انعكاسًا له في الواقع من خلال تكرار مواقف تؤدي إلى الهزيمة أو المعاناة..

#الصدمة

علينا أن نفهم أن ما لا يُقال لا يختفي، بل يغيّر طريقه داخل النفس..كان عزيزي فرويد يميز بين التفريغ الانفعالي وبين الكبت....
06/08/2026

علينا أن نفهم أن ما لا يُقال لا يختفي، بل يغيّر طريقه داخل النفس..

كان عزيزي فرويد يميز بين التفريغ الانفعالي وبين الكبت.. فالانفعال الذي يجد طريقه إلى التعبير بالكلام أو البكاء أو الحداد، يفقد جزءًا كبيرًا من شدته.. أما الانفعال الذي يُمنع من الخروج، فإنه لا يموت، بل يبقى محتفظًا بشحنته النفسية، ويبحث عن منفذ آخر.

ولهذا قد لا يبكي الإنسان على خسارته، لكنه يصبح سريع الغضب.. وقد لا يعبّر عن حزنه، لكنه يعاني أرقًا، أو قلقًا، أو آلامًا جسدية، أو نوبات انفعال لا يفهم سببها..فاللاوعي لا ينسى ما عجز الوعي عن التعبير عنه..

في العلاج النفسي التحليلي، لا يكون الهدف أن يبكي المريض من أجل البكاء، بل أن يحوّل الألم من عرضٍ صامت إلى تجربة يمكن التفكير فيها والكلام عنها.. عندما تُوضع المشاعر في كلمات، تتراجع الحاجة لأن تتكلم عبر الجسد أو عبر الأعراض..

إن الدموع ليست نقيض الرجولة، بل قد تكون علامة على أن النفس ما زالت حية، وأنها لم تتحول إلى صخرة دفاعًا عن نفسها.. فالإنسان الذي يسمح لنفسه بالحزن، غالبًا ما يكون أقدر على استعادة توازنه من الإنسان الذي يحبس كل شيء في داخله..

ليس كل بكاء شفاءً، لكن كل شفاء نفسي تقريبًا يمر عبر الاعتراف بما نشعر به، لا عبر إنكاره.. فالمشاعر المكبوتة لا تختفي، إنها تنتظر فقط اللحظة التي تجد فيها لغة تعبّر بها عن نفسها..

كن رجلاً… وابكِ إذا احتجت إلى البكاء، لأن ما يخرج في دمعة، قد لا يضطر إلى العودة في هيئة عرض أو ألم أو اضطراب..

05/08/2026

يرى فرويد أن العدوان ليس انحرافًا نادرًا في الطبيعة البشرية، بل هو أحد مكوناتها الأساسية.. ففي كتاب «الحضارة وسخطها» (1930) يكتب:

“الإنسان ليس كائنًا لطيفًا محبًا بطبيعته… بل يحمل في داخله مقدارًا كبيرًا من العدوان..”

فالإنسان لا يحمل فقط دافع الحياة (Eros) الذي يدفعه إلى الحب والبناء والارتباط، بل يحمل أيضًا دافعًا آخر أسماه دافع الموت (Thanatos)؛ وهو ميلٌ لاشعوري نحو الهدم والتدمير والعودة إلى حالة السكون..وعندما لا يجد هذا الدافع طريقًا للتمثيل أو للتسامي، فإنه قد يتحول إلى عدوان موجَّه نحو الآخرين..

لكن لماذا يختار شخصٌ غريبًا لم يؤذه في شيء؟

هنا يلفت فرويد انتباهنا إلى آلية الإزاحة (Displacement)..فالمشاعر التي لا يستطيع الإنسان توجيهها إلى مصدرها الحقيقي، بسبب الخوف أو العجز أو الإحباط، تنتقل إلى هدفٍ أكثر أمانًا.. قد يعجز عن مواجهة من أذله، أو من أشعره بالدونية، فيجد في سيارة شخصٍ لا يعرفه موضوعًا مناسبًا لتفريغ عدوانه.. الضحية ليست السبب، بل مجرد حاملٍ لشحنة انفعالية تراكمت في مكان آخر..

ومن جهة أخرى، فإن هذا النوع من السلوك قد يكشف عن هشاشة نرجسية.. فحين يشعر الفرد في أعماقه بالعجز أو الاحتقار أو الفشل، قد يحاول استعادة شعورٍ زائف بالتفوق عبر السيطرة على شيء يخص الآخر أو إفساده.. يصبح الأذى هنا وسيلةً لاستعادة إحساس مفقود بالقوة، لا لأنه قوي فعلًا، بل لأنه عاجز عن تحمل شعوره الداخلي بالضعف..

وفي بعض الحالات، لا يكون الهدف هو السيارة نفسها، بل متعة المشهد النفسي الذي يتخيله الفاعل: أن يعود صاحب السيارة، ويصاب بالصدمة، والغضب، والحزن.. هنا يصبح التلذذ نابعًا من القدرة على زرع الألم في نفس الآخر، وكأن الشخص يقول لاشعوريًا: “إذا كنتُ أنا أحمل هذا القدر من الألم، فلن أحمله وحدي.”

إن التحليل النفسي لا يبرر الشر، لكنه يحاول أن يفهمه.. وفهم الشر لا يعني إنكاره أو التساهل معه، بل يعني إدراك أن الإنسان قد يتحول إلى مصدر للأذى عندما يفشل في التفكير في انفعالاته، أو في احتوائها، أو في تحويلها إلى فعلٍ رمزي عبر اللغة والإبداع والعمل..ولهذا رأى فرويد أن الحضارة لا تقوم على القضاء على العدوان، وإنما على ترويضه، وتحويله من فعل تدمير إلى قدرة على التفكير والتسامي..

وربما لهذا يكون أكثر الناس إيلامًا للآخرين هم أولئك الذين لم يتعلموا يومًا كيف يواجهون ظلماتهم الداخلية، فصاروا يبحثون، في كل مرة، عن شخصٍ آخر يحملها عنهم..

إرث عزيزي فرويد في التحليل النفسي ليس قائمًا على أن كل اضطراب يمكن اختزاله في علاقة الطفل بوالدته، كما يُشاع أحيانًا، بل...
03/08/2026

إرث عزيزي فرويد في التحليل النفسي ليس قائمًا على أن كل اضطراب يمكن اختزاله في علاقة الطفل بوالدته، كما يُشاع أحيانًا، بل في اكتشافه أن الخبرات الأولى لا تزول بانقضاء الطفولة، وإنما تستمر بوصفها تنظيمًا لاشعوريًا يوجّه الحياة النفسية.. ورغم أن كثيرًا من فرضياته خضع للمراجعة والنقد والتطوير، فإن هذه الفكرة الجوهرية بقيت من أكثر أفكاره تأثيرًا، بل وجدت دعمًا في مدارس لاحقة، كعلاقات الموضوع ونظرية التعلق..

فالطفل لا يكتسب من والديه اللغة أو المهارات الحركية فحسب، بل يبني من خلال علاقته بهما نموذجًا داخليًا عن ذاته وعن العالم.. يتعلم، دون أن يدرك، ما إذا كان العالم مكانًا يمكن الوثوق به، وما إذا كان الآخر مصدرًا للأمان أو للتهديد، وما إذا كان الحب يُمنح لوجوده أم يُشترط بالطاعة والإنجاز، وما إذا كان يستحق القبول كما هو..

هذه التمثلات النفسية لا تبقى حبيسة الطفولة، بل تستمر في اللاشعور وتعيد إنتاج نفسها في الحياة الراشدة.. فتظهر في اختياراتنا العاطفية، وفي الطريقة التي نرتبط بها بالآخرين أو نبتعد عنهم، وفي شكل دفاعاتنا النفسية، وفي قدرتنا على تحمل الفقد والإحباط، وحتى في الأعراض التي نعانيها عندما تعجز النفس عن التعبير عما لم يُعش أو لم يُرمز له..

لهذا لا ينظر التحليل النفسي إلى الطفولة بوصفها مرحلة انتهت، بل بوصفها بنية نفسية تستمر في الحاضر..فالسنوات الأولى قد تنقضي على مستوى الزمن، لكنها كثيرًا ما تظل حاضرة على مستوى اللاشعور، حيث تواصل كتابة جزء كبير من قصتنا النفسية..

قابلني هذا الاقتباس العبقري من كتاب   لدكتور   دعوني أُشارككم إياه..“فهذا الاقتتال الأخوي الأول، مهما كان طابعه الأسطوري...
03/08/2026

قابلني هذا الاقتباس العبقري من كتاب لدكتور دعوني أُشارككم إياه..

“فهذا الاقتتال الأخوي الأول، مهما كان طابعه الأسطوري، لم يجد بعد طريقه إلى الحل، بل بقي ببساطة، مهمشًا، رغم أنه ما زال فاعلًا. فهو في الواقع ليس بحقيقة تاريخية تخطاها الزمن، بل استيهام مُبنين، مشترك لجميع بني البشر..”

أولا لا يهم إن كان هذا الاقتتال قد وقع فعلًا كما تصفه الأسطورة؛ فالحقيقة النفسية هنا تُهمنا أكثر أهمية من الحقيقة التاريخية.. فالإنسان لا يحمل في لاوعيه ذكرى حدث بعينه، بل يحمل البنية نفسها التي تجعل العنف ممكنًا كلما تعارضت الرغبة مع وجود الآخر..

في "الطوطم والتابو" يجعل عزيزي فرويد من قتل الأب البدائي أسطورة تأسيسية للحضارة، لكن ما يهمه ليس إثبات وقوعها تاريخيًا، بل الكشف عن حقيقة نفسية هي أن الحب والكراهية، والرغبة في الاتحاد والرغبة في الإقصاء، تتعايش جميعها داخل الذات الإنسانية.. فالأخ ليس فقط موضوعًا للمحبة، بل قد يصبح أيضًا منافسًا على الحب، والسلطة، والاعتراف، والامتلاك..

ثم يذهب فرويد في "ما وراء مبدأ اللذة" إلى أبعد من ذلك، حين يفترض وجود غريزة الموت، أي ذلك الميل اللاواعي نحو التدمير والعدوان، الذي لا يختفي مع التقدم الحضاري، بل يجد أشكالًا جديدة للتعبير.. ولهذا لا تُلغي الحضارة العنف، وإنما تُجبره على تغيير قناعه، فيتحول من الضرب والقتل إلى الحسد، والإذلال، والتشهير، والإقصاء، والعنف الرمزي..

ولهذا يقول فرويد في «الحضارة وسخطها» إن الإنسان ليس كائنًا وديعًا بطبيعته، بل يحمل في داخله قدرًا كبيرًا من العدوان، وإن الحضارة تقوم على كبح هذا العدوان لا على القضاء عليه.. وكلما ضعفت القيود الرمزية أو الأخلاقية، عاد هذا الميل إلى الظهور بأشكال مختلفة..

لذلك فإن الاقتتال الأخوي الذي يتحدث عنه هذا المقطع ليس صفحة من الماضي، بل مشهد يتكرر كل يوم، في العائلة، وفي السياسة، وفي الحروب، وحتى في المنافسات الصغيرة بين الأفراد.. فالآخر، عندما يُنظر إليه بوصفه عائقًا أمام رغبتنا، قد يتحول في اللاشعور إلى خصم يجب إبعاده، لا لأنه عدو في الواقع، بل لأن الرغبة كثيرًا ما تتوهم أن اكتمالها يقتضي غياب الآخر..

Adresse

Algiers

Site Web

Notifications

Soyez le premier à savoir et laissez-nous vous envoyer un courriel lorsque التحليل النفسي مع منال publie des nouvelles et des promotions. Votre adresse e-mail ne sera pas utilisée à d'autres fins, et vous pouvez vous désabonner à tout moment.

Raccourcis

Partager