01/09/2026
(وليدي ما ياكلش كلش، عندو فقط انواع معينة من الأطعمة يحبها واذا نفورصيه ماياكلش ولا يدير كريز، حب يقول وليدي عندو طيف التوحُد ؟؟؟)
ليس بالضرورة.
وهذه نقطة مهمة جدًا يجب أن يعرفها كل والد وكل مهني يعمل مع الأطفال. عندما يكون الطفل في عمر بين الثانية والرابعة ويرفض الخضروات أو الفواكه أو الأطعمة المختلطة، ويقبل فقط عددًا محدودًا من الأطعمة مثل المعكرونة، الخبز، اللبن أو الياغورت، الموز، قطع الدجاج، البسكويت، البطاطا المقلية فقد يبدأ الأهل مباشرة في التفكير:
هل يمكن أن يكون هذا بسبب التوحد؟
الجواب العلمي هو:
الانتقائية الغذائية وحدها لا تعني التوحد.
الانتقائية الغذائية يمكن أن تظهر عند الأطفال ذوي النمو الطبيعي، كما يمكن أن تكون مرتبطة بعوامل حسية، أو حركية فموية، أو طبية، أو سلوكية، أو نفسية، أو نمائية، أو قد تكون جزءًا من صورة أوسع لدى الطفل المصاب باضطراب طيف التوحد تحت اطار اضطراب المعالجة الحسية كما ذكرت سابقا بعدد من المحاضرات والتكوينات.
لذلك، بدل أن نسأل فقط:
« هل الطفل انتقائي في الطعام؟
علينا أن نسأل:
لماذا هو انتقائي؟
أولًا : الانتقائية الغذائية قد تكون جزءًا طبيعيًا من النمو
في مرحلة الطفولة المبكرة، من الطبيعي أن يمر الطفل بفترة يصبح فيها أكثر رفضًا للأطعمة الجديدة. قد نجد على سبيل المثالطفلًا كان يأكل مجموعة متنوعة من الأطعمة، ثم يبدأ فجأة في رفض الكثير منها. وقد يقول الأهل:
كان يأكل كل شيء، وفجأة أصبح لا يريد إلا المعكرونة.
هذا الأمر يمكن أن يرتبط بما يسمى رهاب الطعام الجديد (Food Neophobia)، أي تردد الطفل أو رفضه لتجربة الأطعمة غير المألوفة. كما أن الطفل في هذه المرحلة يبدأ باكتشاف الاستقلالية واتخاذ القرارات بنفسه: أريد هذا. لا أريد هذا. أريد نفس الطعام الذي أكلته بالأمس.
وقد تكون هذه المرحلة مؤقتة وتتحسن تدريجيًا مع النمو والتعرض المتكرر للأطعمة او ربما المعكرونة لذيذة جدا من يعلم ؟ وقد أظهرت الدراسات أن الانتقائية الغذائية شائعة جدًا في الطفولة المبكرة، وبالتالي لا يمكن اعتبارها بمفردها علامة مرضية أو علامة خاصة بالتوحد (Taylor et al., 2015; Taylor et al., 2017).
ثانيًا: ربما المشكلة حسية
وهنا نصل إلى نقطة مهمة جدًا. أحيانًا نقول:
الطفل لا يحب الخضروات.
لكن هل نحن متأكدون أنه لا يحب طعمها؟
ربما المشكلة ليست في الطعم إطلاقًا.
ربما المشكلة في الرائحة، الطعم، القوام داخل الفم، درجة حرارة الوجبة، اللون،شكل الطعام، كونه طريًا أو لزجًا، كونه ليفيًا ويحتاج إلى مضغ طويل او ربما لاختلاط عدة أطعمة معًا
فقد تجد طفلًا يقبل: البسكويت، الأطعمة المقرمشة، الخبز، البطاطا
لكنه يرفض المهروس، الأطعمة ذات الصلصة، الأطعمة الطرية، الأطعمة الرطبة، اللحوم
في هذه الحالة، قد تكون المشكلة حسية أكثر من كونها مشكلة في «حب الطعام».
بعض الأطفال يكونون أكثر حساسية تجاه المثيرات الحسية داخل الفم، وبالتالي فإن بعض القوامات أو الروائح أو درجات الحرارة قد تكون مزعجة جدًا بالنسبة لهم.
وقد تظهر هذه الاختلافات الحسية عند الأطفال المصابين بالتوحد، لكنها ليست خاصة بالتوحد.
وهذه نقطة يجب ألا ننساها.
تذكروا زملائي زميلاتي طلبتي الاعزاء الحساسية الحسية ≠ التوحد.
ثالثًا: ماذا لو كانت المشكلة حركية فموية؟
الأكل ليس مجرد: ضع الطعام في الفم وابتلعه.
الأكل مهارة حركية معقدة جدًا. فالطفل يحتاج إلى تعلم:
• إغلاق الشفتين
• تحريك اللسان
• نقل الطعام داخل الفم
• تحريك الطعام من جانب إلى آخر
• المضغ
• التحكم بالف
• تكوين اللقمة ثم نقلها وبلعها بشكل آمن.
ولهذا قد يكون الطفل قادرًا على أكل:
الياغورت، المهروس كالعصائد والمربى الخاص بالاطفال وحتى المعكرونة الطرية لكنه يرفض اللحم ،الخضروات النيئة، التفاح القاسي والأطعمة التي تحتاج إلى مضغ طويل.
لماذا؟
ليس بالضرورة لأنه عنيد بل ربما ببساطة لأن المهارة الحركية المطلوبة لهذه الأطعمة أصعب بالنسبة إليه.
وهنا يجب أن نسأل:
هل الطفل يرفض الطعام لأنه لا يحبه، أم لأنه يجد صعوبة في التعامل معه؟
هذا سؤال عيادي مهم جدًا طرحه خصوصا في حصص المقابلات الاولى مع الاولياء بل حتى للمختص مع نفسه,
رابعًا: أحيانًا يكون السبب طبيًا
هناك أطفال يرفضون الطعام لأن تناول الطعام ارتبط لديهم بالألم أو الانزعاج.
على سبيل المثال
• الارتجاع المعدي المريئي
• الإمساك
• آلام البطن
• مشاكل الأسنان أو الفم
• الغثيان
• القي
• صعوبات البلع
• بعض المشاكل الهضمية أو الطبية الأخرى.
تخيل طفلًا يشعر بالألم كلما أكل. مع الوقت قد يتعلم:
الأكل = ألم
وبالتالي يبدأ في تجنب بعض الأطعمة. وقد يستمر هذا الرفض حتى بعد تحسن المشكلة الطبية الأصلية.
لذلك لا ينبغي أن نقول مباشرة: الطفل يفعل ذلك من أجل جذب الانتباه. قبل أن نسأل:
هل هناك سبب طبي يجعل الأكل تجربة غير مريحة بالنسبة له؟
ولهذا فإن مفهوم اضطراب التغذية لدى الأطفال (Pediatric Feeding Disorder) ينظر إلى المشكلة من عدة جوانب: الطبي، والغذائي، ومهارات التغذية، والجانب النفسي-الاجتماعي (Goday et al., 2019).
خامسًا: نعم، الانتقائية الغذائية أكثر شيوعًا لدى الأطفال المصابين بالتوحد
وهنا يجب أن نكون منصفين علميًا.
نعم، الانتقائية الغذائية شائعة لدى الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد أكثر من الأطفال ذوي النمو النمطي. وقد وجدت شخصيا ان عدد المقالات والدراسات الطولية الحاملة كهدف ربط التوحد باضطرابات الانتقائية جد كبير وأن اغلبهم تمد نحو وجود ارتباط خطي قوي بين المتغيرين وأن اغلبهم لا يُصنفها كمشكل معالجة حسية فقط بل لعوامل اُخرى اذكر منها:
• الحساسية الفموية
• الاختلافات الحسية
• الحاجة إلى الروتين والثبات
• بعض الأنماط السلوكية والتكرارية
• تفضيلات شديدة لبعض القوامات أو الأطعمة.
وقد أظهرت مراجعة منهجية أن الأطفال المصابين بالتوحد لديهم مستويات أعلى من الانتقائية الغذائية، وأن الاختلافات في الاستجابة الحسية، خصوصًا المتعلقة بالفم والطعام، قد تلعب دورًا مهمًا (Rodrigues et al., 2023). كما تشير مراجعات أخرى إلى ارتفاع معدل الانتقائية الغذائية لدى الأطفال والمراهقين المصابين بالتوحد، مع بروز حساسية الطعم والقوام كعوامل مهمة (Mørdre et al., 2024).
لكن هنا يجب الانتباه إلى الفرق بين عبارتين:
الطفل انتقائي في الطعام، إذن هو مصاب بالتوحد.
هذه عبارة خاطئة.
أما:
الانتقائية الغذائية أكثر شيوعًا لدى الأطفال المصابين بالتوحد، ولذلك يمكن أن تكون جزءًا من الصورة العيادية عندما توجد علامات نمائية أخرى. فهذه أكثر دقة علميًا.
سادسًا: لا ننظر إلى الطبق فقط… بل إلى الطفل كله
عندما يأتي طفل يعاني من انتقائية غذائية، لا ينبغي أن تكون أول خطوة هي عدّ الأطعمة التي يأكلها.
يجب أن ننظر إلى الطفل بشكل شامل:
• التواصل واللغة
• التفاعل الاجتماعي
• اللعب
• التطور المعرفي
• المرونة والسلوكيات المتكررة
• الاستجابات الحسية
• المهارات الحركية الفموية
• الحالة الطبية والهضمية
• النمو والوزن
• القيمة الغذائية للأطعمة التي يتناولها
• طريقة تعامل الأسرة مع الوجبات
وهذا هو السبب في أهمية النموذج متعدد الأبعاد لاضطرابات التغذية لدى الأطفال الذي اقترحه Goday وزملاؤه، والذي يركز على الجوانب الطبية، والغذائية، ومهارات التغذية، والجوانب النفسية والاجتماعية (Goday et al., 2019).
كمثال وكالمُعتاد نفترض أن لدينا طفلًا يأكل فقط:
• المعكرونة
• الخبز
• الياغورت
• الموز
• قطع الدجاج
• البسكويت.
قد يبدو لنا أن المشكلة واحدة. لكن في الحقيقة يمكن أن تكون لدينا عدة حالات مختلفة تمامًا.
الطفل الأول :
يمر بمرحلة طبيعية من الانتقائية الغذائية ورهاب الطعام الجديد، بينما باقي نموه مناسب لعمره.
الطفل الثاني :
لديه حساسية شديدة تجاه القوامات الرطبة أو المختلطة.
الطفل الثالث :
لديه صعوبة في المضغ، لذلك يفضل الأطعمة اللينة.
الطفل الرابع:
كان يعاني سابقًا من الارتجاع والألم أثناء الأكل وهذا ما وضعه في حالة انتقائية
الطفل الخامس:
لديه انتقائية غذائية شديدة مرتبطة أيضًا بخصائص نمائية أخرى تشمل صعوبات في التواصل الاجتماعي، وسلوكيات تكرارية، وحاجة شديدة إلى الثبات والروتين.
نفس الطبق تقريبًا… ولكن خمسة أسباب مختلفة.
وهنا تكمن أهمية التقييم.
ماذا نقول للوالدين طلبتي ؟
أول شيء: لا داعي للذعر.
إذا كان طفلك في عمر السنتين أو الثلاث سنوات ويرفض بعض الأطعمة، فهذا لا يعني تلقائيًا أنه مصاب بالتوحد. لكن في المقابل، لا ينبغي أيضًا تجاهل الانتقائية الشديدة.
• يستحسن طلب تقييم متخصص إذا كان الطفل:
• يأكل عددًا قليلًا جدًا من الأطعمة.
• يرفض مجموعات غذائية كاملة.
• لا يستطيع الانتقال إلى قوامات مناسبة لعمره.
• يعاني من صعوبة واضحة في المضغ.
• يتعرض للاختناق أو السعال أثناء الأكل.
• يعاني من التقيؤ المتكرر أو الألم.
• لديه مشاكل واضحة في النمو أو الوزن.
• يحتاج بشكل كبير إلى المكملات الغذائية.
• يعاني من ضيق شديد أو نوبات غضب مرتبطة بالطعام.
• أو أصبحت الوجبات مصدرًا دائمًا للصراع داخل الأسرة.
في هذه الحالات، قد يكون من المفيد إجراء تقييم متعدد التخصصات حسب الحالة، بمشاركة طبيب الأطفال، وأخصائي التغذية، والأرطفوني ، وأخصائي العلاج الوظيفي، وأخصائي البلع والتغذية عند الحاجة.
للأمانة، لم أتطرق شخصيًا في هذا المقال إلى مشاكل التغذية الفموية (Troubles de l’Oralité Alimentaire)، وذلك بهدف التقليل من التعقيد النسبي للموضوع وتسهيل فهمه. ويمكن، بشكل انتقالي ومبسط، اعتبارها مرتبطة بالانتقائية الغذائية؛ فقد تظهر الانتقائية كأحد مظاهرها، كما قد تسهم بعض اضطرابات الوظيفة الفموية والحسية في ظهور الانتقائية الغذائية أو في تعزيزها. ومع ذلك، فإن Troubles de l’Oralité Alimentaire مفهوم أوسع ومتعدد الأبعاد، ولا يمكن اختزاله في الانتقائية الغذائية وحدها، إذ قد تشمل مكوناته جوانب حسية، وحركية فموية، وطبية، ونمائية وسلوكية.
1. Taylor, C. M., Wernimont, S. M., Northstone, K., & Emmett, P. M. (2015).
Picky/fussy eating in children: Review of definitions, assessment, prevalence and dietary intakes. Appetite, 95, 349–359
PMID: 26232139
DOI: 10.1016/j.appet.2015.07.026
2. Taylor, C. M., Wernimont, S. M., Northstone, K., & Emmett, P. M. (2017).
Picky eating and food neophobia in young children: A systematic review and meta-analysis. Nutrition Reviews, 75(10), 733–749.
PMID: 28535257
DOI: 10.1093/nutrit/nux024
3. Goday, P. S., et al. (2019).
Pediatric Feeding Disorder: Consensus Definition and Conceptual Framework. Journal of Pediatric Gastroenterology and Nutrition, 68(1), 124–129.
PMID: 30358739
PMCID: PMC6314510
DOI: 10.1097/MPG.0000000000002188
4. Rodrigues, J. V. S., et al. (2023).
Food selectivity and neophobia in children with autism spectrum disorder and neurotypical development: A systematic review. Nutrition Reviews, 81(8), 1034–1050.
PMID: 36633300
DOI: 10.1093/nutrit/nuac112
5. Esposito, M., Mirizzi, P., Fadda, R., et al. (2023).
Food Selectivity in Children with Autism: Guidelines for Assessment and Clinical Interventions. International Journal of Environmental Research and Public Health, 20(6), 5092.
PMID: 36982001
PMCID: PMC10048794
DOI: 10.3390/ijerph20065092
6. Mørdre, M., Ørbeck, B., Hoel, R. E., & Øvergaard, K. R. (2024).
Food selectivity in children and adolescents with autism spectrum disorders: A systematic literature review. Tidsskrift for Den norske legeforening, 144(14).
PMID: 39605156
DOI: 10.4045/tidsskr.24.0193
7. Taylor, C. M., & Emmett, P. M. (2019).
Picky eating in children: Causes and consequences. Proceedings of the Nutrition Society, 78(2), 161–169.
PMID: 30392488
PMCID: PMC6398579
DOI: 10.1017/S0029665118002586