08/07/2026
لم تتمكن ابنتي أروى، بعد إكمالها المرحلة الثانوية وحصولها على شهادة A-Level بتفوق، من تحقيق حلمها بالحصول على مقعد في كليات طب الأسنان البريطانية، بسبب نظام المفاضلة الذي يمنح الأولوية للمواطنين البريطانيين، ثم للمقيمين، ثم لطلبة الاتحاد الأوروبي آنذاك.
لأجل ذلك اضطرت إلى دراسة العلوم الطبية الحيوية (Biomedical Sciences) في جامعة كوين ماري/ لندن.
وخلال دراستها، تواصلت مع إدارة الجامعة وعدتها بمنحها فرصة للالتحاق بكلية طب الأسنان بعد إكمال البكالوريوس، بشرط أن تحافظ على معدل مرتفع لا يقل عن ٨٠%. وقد التزمت بذلك بالفعل، فتخرجت بتفوق مع مرتبة الشرف، ونالت تكريم الجامعة لتميّزها الأكاديمي.
غير أن الوعد لم يُنفّذ، ولم تحصل على المقعد الموعود في طب الأسنان.
لم تستسلم، وقدمت من جديد إلى جامعتي مانشستر وجامعة King’s College London، كانت فرص القبول ضعيفة، خاصة أن الجامعات البريطانية تُعطي الأولوية للمتقدمين مباشرة بعد الثانوية. فجاءها الرفض من جامعة مانشستر، وكان متوقعاً، وبقي الأمل ضغيفا في King’s College إحدى أرقى كليات طب الأسنان في العالم.
كانت أروى قد حققت درجة عالية في اختبار UCAT، وهو اختبار قدرات يُستخدم في القبول لكليات الطب وطب الأسنان في المملكة المتحدة، يقيس التفكير التحليلي وسرعة اتخاذ القرار والحكم المهني. لكن ذلك وحده لا يكفي دون الحصول على فرصة المقابلة.
وفي محاولة للتخفيف من الضغط النفسي، سافرنا جميعاً إلى بغداد في بداية عام 2021، في ظل ظروف جائحة كورونا وصعوبة السفر بين الدول.
هناك، وبين انشغالنا باللقاء مع الأهل بعد غياب دام خمس سنوات، همست بأذني في إحدى الأمسيات قائلة: وصلني بريد إلكتروني من جامعة King’s College حددوا لي مقابلة إلكترونية في اليوم التالي.
فبعد ان اطلعت لجنة القبول على نتائجها في الثانوية ودرجتها بامتحان UCAT قررت ان تمنحها فرصة المقابلة.
كانت لحظة صعبة؛ وقت قصير للتحضير، وضغط نفسي كبير، إضافة إلى ضعف في خدمة الإنترنت الني ستوصلها بالامل.
كان عليها أن تكون وحدها في غرفة مغلقة، عبر نظام يتضمن ثلاث لجان متتابعة، مع فترات انتظار بين كل جولة وأخرى.
لم تنم تلك الليلة، وفي الصباح مع موعد المقابلة أطفأنا جميع الأجهزة المتصلة بالإنترنت لضمان أفضل اتصال ممكن وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار التقني وحشدنا كل ما في قلوبنا من تشجيع واسناد ورجاء.
استمرت المقابلة قرابة ثلاث ساعات، تنقلت خلالها بين اللجان والاسئلة، وكلما انتهت لجنة بدأت اختها، حتى أتمّت جميع المراحل.
لم يطل الانتظار بعد ذلك، حتى وصلها بريد القبول في اليوم نفسه، لتحصل على مقعد في طب الأسنان في واحدة من أرقى كليات العالم.
ثم بدأت رحلة الخمس سنوات، كانت صعبة للغاية؛ تدرس صباحا طب الأسنان، وتعمل مساء استاذة لمادتي الكيمياء والاحياء بشهادة البكالوريوس، مع طريق طويل يمتد لاكثر من ساعة ذهاباً ومثلها اياباً.
أقف اليوم بكل سعادة وفخر في حفل تخرجها من كلية طب الأسنان في King’s College London، لأكتب حكاية إصرارٍ، وتحدٍّ، وعدم استسلام.
قصة طالبة عراقية مجتهدة، استطاعت بعون الله، وبعد سنوات من التعب والعمل، أن تحقق حلمها وتنال شهادة طب الأسنان من إحدى أعرق المؤسسات الأكاديمية في العالم.
أقف اليوم في قاعة تخرّجها في King’s College London، فلا أرى شهادة فحسب، بل أرى خمس سنوات من الإصرار حين كان الانسحاب أسهل الخيارات واقصر الطرق، وأرى حلمًا وُلد من تأجيلٍ لم يقتله الانتظار، ومن رجاءٍ لم يقتله المنع او الاحباط او والقنوط.
أرى فتاةً لم تمنحها الطرق التقليدية فرصةً أولى، لكنها صنعت طريقها بحمد الله بنفسها خطوةً خطوة، حتى وصلت إلى واحدة من أعرق كليات طب الأسنان في العالم.
اليوم أدركتُ أن بعض الأبواب لا تُفتح بالطرقة الأولى، وان النتائج تُنتزع بالصبر والدرس والإيمان حين يظن الآخرون أن الوقت قد تعدى وفات.
هذه ليست نهاية قصة أروى، بل بداية حكاية بنات عرفن ان الاحلام الصعبة تستحق العناء والصبر والاجتهاد.Hassan El Hadeethi