20/05/2026
مدارس علم النفس – من الأريكة الفرويدية إلى الثورة المعرفية
حين يذكر علم النفس في الخاطر، يبادر إلى الذهن صورة المريض مستلقٍ على أريكة وفرويد جالس خلفه مدخنًا غليونه. لكن علم النفس اليوم لم يعد حبيس تلك الغرفة. لقد قطع علم النفس شوطًا طويلاً منذ أواخر القرن التاسع عشر، وتفرعت مدارسه وتشعبت، وكل مدرسة حملت مشعلًا أضاء زاوية مختلفة من تلك الغرفة المظلمة المعقدة التي نسميها "النفس البشرية".
أولاً: التحليل النفسي (فرويد ويونغ وآدلر)
ركزت مدرسة التحليل النفسي على اللاشعور، ذلك المخبأ المظلم الذي تختفي فيه الرغبات المكبوته والصراعات الطفولية. فرويد قال لنا: سلوكك الحالي تحكمه ذكرياتك المنسية. وينست ويونغ أضاف: هناك لا شعور جمعي مشترك بين البشر. وألفرد آدلر قال: ليس الجنس بل الشعور بالنقص هو المحرك الأساسي. صحيح أن كثيرًا من نظريات فرويد لم تعد مقبولة كما هي اليوم، لكن فضله يظل هائلاً: جعل العالم يتحدث عن "اللاوعي" لأول مرة بجدية.
ثانيًا: المدرسة السلوكية (واطسون، سكينر، بافلوف)
احتجت السلوكية على الغموض الفرويدي. قالت: لا تهتم بما يدور في العقل الباطن لأنه لا يُرى ولا يُقاس. الأهم هو السلوك المرئي، والمثيرات البيئية، والاستجابات. كلب بافلوف الذي كان يُفرز اللعاب عند سماع الجرس، وسكينر الذي علّم الحمام أن يدور في حلقة بواسطة التعزيز الإيجابي. السلوكية كانت قاسية بعض الشيء، لكنها أنجبت العلاج السلوكي الذي ما زلنا نستخدمه حتى اليوم في علاج الرهاب واضطرابات القلق.
ثالثًا: المدرسة الإنسانية (ماسلو ورودجرز)
جاءت ثلّة من المعالجين لتقول: "كفى تشاؤمًا". فرويد يرى الإنسان أسير دوافع غريزية، وسكينر يراه آلة بيئية، أما ماسلو ورودجرز فيريانه كائنًا يسعى نحو النمو وتحقيق الذات. هرم ماسلو الشهير: احتياجات فسيولوجية، أمان، حب وانتماء، تقدير، ثم في القمة: تحقيق الذات. العلاج الإنساني يقوم على التقبل غير المشروط والتعاطف، والثقة بأن العميل يملك داخل نفسه القدرة على النمو إذا وُجدت الظروف المناسبة. كانت هذه المدرسة ردًا عاطفيًا حارًا على برودة السلوكية وجبرية التحليل النفسي.
رابعًا: المدرسة المعرفية (بيك، إيليس، نيسر)
ثم حدثت الثورة المعرفية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. فجأة، عاد "العقل" إلى الواجهة. كيف ننتبه؟ كيف نتذكر؟ كيف نحل المشكلات؟ وكيف – والأهم – نفسّر الأحداث من حولنا؟ آرون بيك وألبرت إيليس قالا: ليست الأحداث هي التي تسبب الاضطراب النفسي، بل تفسيرنا للأحداث. من يفكر بطريقة مشوهة ("لا بد أن أكون مثاليًا وإلا فأنا فاشل") سيعاني القلق والاكتئاب. العلاج المعرفي والعلاج المعرفي-السلوكي (CBT) هو اليوم أكثر العلاجات النفسية انتشارًا ودعمًا بالبحث العلمي.
خامسًا: علم النفس الإيجابي (سليجمان)
سأل مارتن سليجمان سؤالاً ثوريًا: لماذا ركزنا كل هذا الوقت على المرض والعاهات؟ ماذا عن السعادة، المرونة، الامتنان، المعنى في الحياة؟ علم النفس الإيجابي لا ينكر وجود المرض، بل يقول: العلاج ليس فقط إزالة الألم، بل بناء حياة تستحق أن تعاش. وهو الذي أدخل مفاهيم مثل "التدفق" (flow) لعملية ميهالي تشيكسينتميهالي، و"القوى الشخصية" و"الامتنان" إلى صلب البحث العلمي الجاد.
ما الذي يعنيه هذا لك؟
لا توجد مدرسة "أصح" من الأخرى. كل مدرسة ترى جانبًا من الحقيقة. فرويد يصلح لفهم الجذور البعيدة للمشكلة، سكينر يصلح لتعديل السلوك الظاهر، روجرز يصلح لبناء علاقة علاجية آمنة، بيك يصلح لتفكيك الأفكار المشوهة، وسليجمان يصلح للمرحلة التي تلي الشفاء. المعالج الجيد هو الذي يتقن ارتداء نظارات متعددة: سلوكية حين يحتاج الأمر، معرفية حين يحتاج، إنسانية دائمًا في حضوره. علم النفس اليوم انتقائي، متكامل، وأكثر تواضعًا وفعالية مما يظن الكثيرون.