30/08/2026
كيف ممكن عقل إنسان يحوّل طفل من «إنسان» إلى «هدف»… ثم إلى «محتوى»؟
بصفتي باحثة في العلوم الجنائية، ومتخصصة في علم النفس الإكلينيكي، أكتر حاجة استوقفتني في جريمة شبرا الخيمة مش بس سؤال: «إزاي الطفل اتقتل؟»
لكن السؤال الأصعب كان:
إزاي عقل إنسان قدر يشوف طفل… مش كإنسان له مشاعر وحياة وأهل، لكن كـ«هدف»؟ وبعد كده يحوّله لـ«محتوى»؟
وهنا تبدأ القراءة النفسية للجريمة.
خلينا نكون دقيقين في نقطة مهمة جدًا:
مينفعش نشوف السلوك ده ونقول ببساطة: «ده سايكوبات».
التشخيص النفسي مش كلمة بنطلقها على شخص من خلال جريمة أو مجموعة تصرفات؛ التشخيص محتاج تقييم إكلينيكي كامل ومتخصص.
لكن السلوك نفسه ممكن يكشف لنا عن مؤشرات شديدة الخطورة، زي التلاعب، والاستغلال، والقسوة الوجدانية، وضعف التعاطف، والنظر للإنسان باعتباره مجرد وسيلة لتحقيق هدف.
وهنا بيظهر مفهوم نفسي مهم جدًا:
Moral Disengagement — الانفصال الأخلاقي
بمعنى إن الإنسان يكون عارف إن اللي بيعمله غلط، لكنه يقدر يفصل نفسه نفسيًا عن المعنى الإنساني للجريمة.
فيقول لنفسه مثلًا:
«أنا ماقتلتوش… أنا بس طلبت.»
«هو اللي نفّذ.»
«أنا كنت عايز الفيديو بس.»
وكأن تغيير صياغة الفعل ممكن يخفف وطأته الأخلاقية.
والتكنولوجيا أحيانًا بتسهّل المسافة دي؛ لأن الشاشة بتفصل الشخص عن وجه الضحية، وعن خوفها، وألمها، وإنسانيتها.
أما بالنسبة للمنفذ، فإحنا هنا ممكن نتكلم عن العنف الأداتي – Instrumental Violence.
يعني العنف ماكانش مجرد انفجار غضب أو لحظة فقدان سيطرة، لكنه أصبح وسيلة للوصول إلى هدف أو مقابل.
والأخطر من كل ده…
إن العنف نفسه يتحول إلى محتوى وسلعة.
وهنا بتتحول المعادلة بشكل مخيف:
إنسان - ضحية - هدف - محتوى.
وفي اللحظة دي، إحنا مش بنتكلم فقط عن جريمة قتل، لكن عن انهيار خطير في قيمة الإنسان داخل تفكير الجاني.
أما الـ Dark Web، فلازم نفرّق بين وجوده وبين سبب الجريمة.
هو مش اللي «خلق» الجاني، لكنه ممكن يكون بيئة تساعد على السرية، والتواصل، والاستغلال.
التكنولوجيا ممكن تسهّل الجريمة… لكنها لا تصنع وحدها عقلًا إجراميًا.
والدرس الأهم بالنسبة لي؟
ما تدورش دايمًا على شكل الوحش.
مش كل شخص هادي يبقى سايكوبات.
ومش كل ابتسامة معناها رحمة.
ومش كل شخص شكله طبيعي بالضرورة إن سلوكه إنساني.
لكن لما يبدأ يجتمع التلاعب + الاستغلال + القسوة + غياب التعاطف + غياب الندم + تحويل البشر إلى أدوات…
ساعتها إحنا مش محتاجين نشوف «الوحش».
يكفينا إننا نقرأ السلوك.
جيهان الشرقاوي
استشاري الصحة النفسية و علم النفس الإكلينيكي وباحثة في العلوم الجنائية
#السيكوباتية