26/08/2025
الألم النفسي
أهلاً وسهلاً من جديد، صديقي القارئ، لقد غبتُ طويلًا كما يغيب القمر وسط السحاب، وها أنا أعود إليك مشرقًا كما تشرق الشمس لتملأ النهار دفئًا وحياة.
وبعد مرحلة الإشتياق الجميلة........
دعنا نغوص في رحلة داخل أعماقنا....
في بداية الأمر ما هو الألم صديقي القارئ؟
جميعاً نمر بفترات نشعر فيها وكأن أجسادنا متألمة في صمت وأرواحنا تنزف من مرارة المواقف، ولكن لن أصل إلا وصف هذا المعنى، لأننا ببساطة صديقي القارئ جميعاً مختلفين لا أنا ولا أنت نتشابه في شعورنا بالألم، أنت فريد وكل إنسان فريد، فخلاياك تحمل جينات غير التي أحملها أنا وغير التي يحملها إنسان آخر......جينات تحدد صفاتك الجسدية وأيضا صفاتك النفسية.......جينات تهيئك بالإصابة بأمراض معينة نفسية كانت أو جسدية......جينات تشكل استجاباتك السلوكية.
هل يمكن أن يكون الألم حيادياً أو تصاحبه مشاعر حيادية؟ وهل هذا له علاقة بوصف الألم وتعريفه؟
نعم صديقي القارئ له علاقة، الألم لابد أن تصاحبه حالة وجدانية إما سارة أو غير سارة..... لذا فإن الألم يكتسب معنى خاصاً بالنسبة لكل إنسان.
لنعد مره أخرى إلى السؤال الأول
عموماً لا يوجد شئ اسمه حياد المشاعر فأنت لا يمكن كإنسان أن تكون محايداً في عواطفك فمن طبيعة العواطف أن تنحاز وأن تميل، وحياد العواطف هو الموت أو التبلد ،والتبلد الوجداني حالة مرضية لا توجد إلا في المريض العقلي، لأنه هو الوحيد الذي يكون محايداً في عواطفه.
الألم يرتدي رداء تخلعه عليه عواطفنا.....عواطفنا هي التي ترسم آلامنا وتحركها وأحيانا تصنعها... عواطفنا هي التي تسيطر على النهايات العصبية والمسارات الحسية والثلاموس وليس العكس...
لعل الأمور الآن أصبحت أكثر وضوحاً قليلاً
فما هو ألم النفس؟
هو كوخز بالداخل...... كسكين يقطع بالداخل.....نشعر بيه كبركان بالداخل أي كأشياء حارقة تقذف أو تنفجر في كل اتجاه... اذن المكان هو الداخل
*وما هو الداخل....؟*
أنه غير محدد ولكن ربما نعني به القفص الصدري والبطن...
أما ما نشعر به فمتنوع ومختلف ولكنها تشابه إحساس الألم الذي نشعر به في الجسم.....
نحن لا نعرف إلا أوصاف إحساس الألم الجسدي ولذلك استخدمناها في وصف ما نشعر به في الداخل أي لنصف به ألم النفس........ وبذلك ندرك أن أصعب ما يمكن أن نتعامل معه هو النفس البشرية.
هل هناك ما يعالج هذا الألم النفسي المرير؟
العلاج النفسي وهو شخصية الطبيب وعلمه وسمعته وقدرته على بث الثقة في نفس مريضه.
والمريض يستريح أكثر إذا عرف سر متاعبه وهذا هو واجب الطبيب أن يشرح للمريض كل شئ وبأسلوب بسيط وواضح... أن يقول له لماذا هو يتألم...؟ أن يعلمه أيضاً كيف يسيطر على آلامه لا بالعقاقير فقط ولكن أيضاً بإرادته فيه إذا رغب هو في ذلك وحسب نوع شخصيته.....
هذا يتطلب وعياً.... والوعي يتكون من خلال الحوار مع الطبيب..... الحوار العلمي وأيضاً الصادق
ولأن الألم ليس مرضاً وإنما عرض فإن واجب الطبيب هو الكشف عن سبب الألم وليس فقط قتل الألم عن طريق المهدئات.....
وفي النهاية صديقي القارئ
الألم النفسي قاسٍ، لكن علم النفس يعلمنا أن نواجهه بالاعتراف بمشاعرنا، واللجوء للدعم، والرفق بأنفسنا، فهذه أولى خطوات الشفاء وليس أن تتجه لمواد تجعلك تشعر لحظياً بالسعادة وتظن أن الألم قد ذهب وأنت تدخل في مرحلة أخرى لن تخرج منها وكأنك أنت السابق........
قدمت لكم هاجر محمد.
اعتمدت في هذا المقال على كتاب الألم النفسي والعضوي للدكتور عادل صادق، أستاذ الطب النفسي والأعصاب بجامعة عين شمس.