19/01/2026
بسم الله الرحمن الرحيم
متابعة سياسية
التوتر الأميركي الإسرائيلي وانعكاساته على توازنات الإقليم
لم يعد خافيًّا على أحد التوتر في العلاقة بين نتنياهو وأميركا. وبخاصة بعد معركة طوفان الأقصى التي ظلت مشتعلة رغم عدم التكافؤ ما يزيد على سنتين من الأعمال العسكرية المدمرة في المنطقة، ومع ذلك لم تحقق إسرائيل أهداف الحرب عمليًّا إلا بعد الجلوس على طاولة المفاوضات، والرضوخ للإرادة الأميركية والقبول باتفاق شرم الشيخ، وتنفيذ المرحلة الأولى منه والتي تقضي بتسليم الأسرى والجثث. وعلى الرغم من الدعم الأميركي المتواصل للكيان، وتقديم غطاء لأفعال الجيش الإسرائيلي الهمجي، إلا أن قادة الكيان ظنوا أن بإمكانهم الخروج عن الإرادة الأميركية، بل وتعريض مصالحها في المنطقة للخطر، وبخاصة فيما يتعلق بالمسار الإقليمي والاتفاقات الإبراهيمية، وتخريب توازناتها في المنطقة، والضغط على عملاء أميركا لتنفيذ أجندات نتنياهو واليمين الإسرائيلي المتشدد، بل وتهديدهم بفقدان عروشهم حال اعترضوا على الإجراءات التي سيقوم بها نتنياهو في غزة، مما زاد في إحراج هؤلاء العملاء أمام شعوبهم، وقد شاهدت شعوبهم انصياعهم لأوامر نتنياهو، بل ومساندته في القضاء على المقاومة في غزة، والمنطقة عمومًا.
وقد بلغ الغرور بنتنياهو أن يتحدى أميركا دون النظر إلى عواقب هذه السياسات، إذ عندما هدَّدَ الرئيسُ الأميركي السابق جو بايدن إسرائيل بوقف الإمداد بالأسلحة، قال نتنياهو: "إن اقتضت الضرورة أن نكون وحدنا فسنقاتل وحدنا". بل تبجح في إحدى تصريحاته بأنه "لا يوجد مكان في الشرق الأوسط لن تصل إليه ذراع إسرائيل الطويلة". ولم يستمع نتنياهو للنصائح الأميركية، واستمر في تنفيذ رؤيته التي يريد تحقيقها بجعل إسرائيل هي القوة الوحيدة في الشرق الأوسط، وتدمير كل القوى الأخرى؛ لذلك ذهبت للهجوم على إيران منفردة، وعندما تحولت الحرب لصالح إيران، استغاث نتنياهو بأميركا التي تدخلت لإنقاذ الكيان من هجمات إيران المدمرة. ولأجل ذلك أيضًا تصاعدت التوترات مع تركيا بشأن النفوذ العسكري في سوريا عندما نفذت غارات جوية على أهداف استراتيجية في منطقتي تدمر وحمص في آذار/مارس الماضي، استهدفت الغارات قواعد عسكرية سورية، كما استهدفت معدات تركية بمحيط مطار دمشق الدولي، وكادت تندلع مواجهة بين الطرفين لولا تدخل ترامب الذي أكد وجود علاقة صداقة قوية بينه وبين أردوغان، وأنه يكن للزعيم التركي احترامًا كبيرًا. لم يكتف نتنياهو بالاحتكاك بالقوى الإقليمية الكبرى، بل سعى أيضًا لتحويل الدول التابعة لأميركا إلى دول تابعة لإسرائيل، تنقاد لها وتنفذ أجندتها كما تفعل دولة الإمارات تمامًا.
ورغم الدعم الأميركي المقدم لحكومة نتنياهو على مدار سنتي الحرب، فإن أميركا كانت تداري خلافها مع نتنياهو، وتحاول الضغط عليه للكف عن سياساته التي تتعارض مع المصالح الأميركية في المنطقة، بينما كان نتنياهو يتحرك في المنطقة بلا رقيب، إلى الدرجة التي تجرأ فيها على أن يقصف قطر في محاولة لاغتيال أعضاء وفد حماس المفاوض، بعد أن أبلغ أميركا في اللحظات الأخيرة بالعملية، ما أدى إلى فشل عملية الاغتيال، وأوقع قطر وأميركا في حرج شديد.
صحيح أن أميركا متواطئة مع إسرائيل على كسر المقاومة، وتصفية وجودها، وإنهاء الوضع الذي فرضته نتائج انتفاضة الأقصى، وبخاصة بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة سنة 2005، واستفراد حماس بحكم غزة سنة 2007، وتحوُّل حماس إلى قوة قادرة على تهديد مستوطنات غلاف غزة، بل والوصول إلى تل أبيب والقدس المحتلة. إلا أن أميركا لا تريد لإسرائيل أن تتصرف بلا قيد، مما يؤثر على مصالحها الحيوية والاستراتيجية في المنطقة.
ورغم أن الخلافات بين نتنياهو والإدارة الأميركية لم تبق في الغرف المغلقة، بل رشحت إلى السطح، مما اضطر ترمب لإجبار نتنياهو على القبول بالهدنة مرتين، بل أجبره على المضي قدمًا في الاتفاق رغم أن نتنياهو وفريقه الحكومي لا يرون أن الاتفاق يلبي أطماعهم، وبخاصة فيما يتعلق باستمرار حرب الإبادة، وتهجير أهل غزة. ورغم التلكؤ الذي تبديه حكومة نتنياهو في تنفيذ الاتفاق، والتذرع باستعادة جميع جثث جنودها المحتجزة لدى المقاومة، وربط الانتقال إلى المرحلة الثانية، بالوصول إلى جثة الأسير ران غفيلي الذي استشهد آسروه، ولم يعد بالإمكان معرفة مكان وجود جثته، ورغم خرق اتفاق شرم الشيخ يوميًّا، مما نتج عنه ارتقاء مئات الشهداء، فضلا عن استمرار الحصار وسياسة التجويع وترك أهل غزة بلا مأوى يقيهم البرد القارس في هذا الشتاء؛ في محاولة منه لجر المقاومة للعودة للحرب، ومع ذلك لم يكترث ترمب بمطالب إسرائيل ومضى في تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، بل أعلن عن أعضاء مجلس السلام الذي سيحل مكان إسرائيل في الإشراف والوصاية على قطاع غزة، وذراعه التنفيذي "قوة الاستقرار الدولية". كما أعلن عن تشكيل لجنة غزة، والتي بادر مكتب نتنياهو إلى الاعتراض عليها بذريعة أن تشكيلة اللجنة التنفيذية لإدارة قطاع غزة لم تنسق مع إسرائيل، وتتعارض مع السياسة الإسرائيلية، رغم أن مصادر سياسية قالت إن نتنياهو كان على علم مسبق بتركيبة اللجنة، وإن الرفض العلني جاء بسبب الوضع الائتلافي في الداخل.
أما على صعيد الإقليم، فإن العمل على تقليم أذرع دولة الإمارات يسير على قدم وساق، وبخاصة بعد الهزائم التي مني بها المجلس الانتقالي في جنوب اليمن مما اضطره إلى الانسحاب من المناطق التي سيطر عليها، وانتهى الأمر بحل المجلس، ومطاردة رئيسه عيدروس الزبيدي بتهمة الخيانة العظمى. ومن جهة أخرى أعلنت السعودية عن رغبتها في الانضمام إلى تحالف عسكري مع كل من الصومال ومصر، وجاء هذا الإعلان بعد اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، الإقليم الانفصالي، وإدارة الإمارات لميناء بربرة، وما يتضمن ذلك من نفوذ إسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي.
وفي ذات السياق من الممكن فهم التحرك المصري في قصف رتلٍ عسكريٍّ كاملٍ محمّلٍ بالعتاد والسلاح في منطقة المثلث الحدودي بين مصر وليبيا والسودان لدعم مليشيا الدعم السريع في السودان، وهي المليشيا التي تربط قائدها "حميدتي" بعلاقات وثيقة مع نتنياهو.
وليست أحداث شرق سوريا بمعزل عن سياسة تحجيم إسرائيل، وبخاصة بعد سيطرة الدولة السورية على المناطق التي كانت تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، والتي كانت تعول عليها إسرائيل في إنشاء ما يسمى بـ"ممر داود" الذي يربط الجنوب السوري عبر ممر ينتهي إلى كردستان العراق. وبهذا التطورات الأخيرة تم دفن المشروع.
إن تحركات الدول العربية تجاه التمدد الإسرائيلي في المنطقة، وإن كانت مطلوبة، بل ومتأخرة، لكنها لم تكن لتحصل دون ضوء أخضر أميركي. فهذه الدول لا تتحرك في حماية مصالحها من تلقاء نفسها، بل تتحرك ضمن المنظومة التي تقوم بتشغيلها. وليس الأمر متعلقًا بمصالح هذه الدول، بمقدار تعلقه بمصالح المشغل الأميركي.
ومع ذلك فإن ما تقوم به أميركا في المنطقة عبر عملائها ليس تخليًّا عن الكيان، وإنما ضبطه، بحيث لا يتجاوز الحدود التي تسمح له واشنطن بالتحرك داخلها، أو تهديد مصالحها، أو القفز عن إرادتها. كما لا يعني بأي شكل من الأشكال كسر التفوق العسكري الذي تمنحه واشنطن لإسرائيل، بحيث تحافظ على وجودها من أي تهديد وجودي من أهل المنطقة.
صحيح أن إسرائيل لم يكن لها أن تصل إلى هذه المرحلة من الغطرسة لولا الدعم الأميركي اللامحدود، وخيانة حكام المنطقة بانصياعهم لأوامر نتنياهو، وهرولتهم للتطبيع مع الكيان الصهيوني، وسكوت واشنطن عن سياسات الأمر الواقع التي كان يفرضها نتنياهو على الضفة الغربية وقطاع غزة، بل وعلى المنطقة بعامة، إلا أن سبب هذه الاستدارة الأميركية هو ما نتج عن السلوك الإسرائيلي غير المنضبط من تهديد للمصالح الأميركية، وتهديد التوازنات التي صنعتها في المنطقة لصالح أطماع نتنياهو وفريقه الحكومي. ولو كان لدى حكام المسلمين أدنى حد من الإرادة لاستغلوا الخلاف لإضعاف الكيان المسخ الذين انتفخ بخيانتهم، فأذلهم وعراهم أمام شعوبهم، وعملوا على قطع الحبل الذي أمدته واشنطن له. ولو تركوا أهل المنطقة تقرر مصيرها فيمن يحكمها ويدير شؤونها لاختاروا من يوقف أميركا وإسرائيل عن استخفافهم بهذه الأمة التي تمتلك من الرجال والمقومات ما يجعلها أمة كبرى في مدة زمنية قصيرة. فهل تنتفض أسود الأمة لتغيير واقع أمتنا بل والعالم المصطلي بظلم الرأسمالية والغطرسة الأميركية على أيديهم الطاهرة؟
{وما ذلك على الله بعزيز}
30/رجب/1447هـ
19/1/2026م