02/09/2026
اللوم، المسؤولية، و رحلة النمو و النضوج النفسي: موضع السيطرة Locus of Control في النمو الشخصي والعلاج النفسي
"من يلوم الآخرين لا يزال في بداية رحلته. من يلوم نفسه قد قطع نصف الطريق. ومن لا يلوم أحداً، فقد وصل." مثل صيني
يعكس هذا المثل القديم حقيقة نفسية عميقة لا تزال ذات صلة كبيرة في سياقات العلاج النفسي والتنمية الشخصية المعاصرة. في جوهره، يتناول مفهوم موضع السيطرة (Locus of Control)، وهو مصطلح صاغه عالم النفس جوليان روتر Julian Rotter عام 1954، لوصف اعتقاد الفرد حول العوامل التي تتحكم في نتائج حياته. إن كان الشخص ينسب النجاح أو الفشل إلى جهوده الداخلية أو إلى قوى خارجية يؤثر كثيرًا على مرونته العاطفية وسلوكه ونموه.
رحلة من اللوم إلى المسؤولية
موضع السيطرة Locus of Control LOC موجود على طيف يتدرج من الخارجي إلى الداخلي:
الموضع الخارجي External Locus of Control يشير إلى الاعتقاد بأن الحظ أو الناس أو القدر هم المسؤولون عن مجريات الحياة.
أما الموضع الداخلي Internal Locus of Control، فيعكس الإيمان بأن تصرفات الفرد واختياراته هي التي تشكل نتائج حياته.
رغم أن اللوم الخارجي قد يعكس أحيانًا حقائق اجتماعية أو شخصية واقعية، كما انه قد يساهم ايجابيا في المحافظة على سلامة النفس و الجسد فور حدوث نكبات شخصية او عامة. إلا أنه غالبًا ما يقود إلى الشعور بالعجز أو دور "الضحية" victimhood اذا ما اطال الفرد في اتباع هذا النهج من التفكير. فالشخص الذي يلوم الآخرين باستمرار، كما يشير المثل، لا يزال في بداية رحلته النفسية، لأنه يضع القوة المسيطرة احواله خارج ذاته.
أما ظهور موضع السيطرة الداخلي فهو نقطة تحوّل. يبدأ الشخص في تحمّل مسؤولية قراراته ومشاعره وإمكانية التغيير. وهذه المرحلة — "نصف الطريق" — حاسمة في كل من العلاج والتطوير الذاتي، لأنها تعزز الشعور بالفاعلية والقدرة الذاتية، وهما من أهم مؤشرات الصحة النفسية.
لكن المثل يشير إلى مرحلة أخيرة: التوقف عن اللوم تمامًا. "من لا يلوم أحداً، فقد وصل." هذه المرحلة تمثل حالة نفسية وروحية أكثر نضجًا. فهي تتجاوز مجرد تحمّل المسؤولية إلى التحرر من الحاجة إلى توجيه اللوم — سواء للآخرين أو للنفس. يشبه هذا ما تدعو إليه العلاجات المبنية على الوعي الكامل أو ما يعرف بـ المسؤولية الجذرية في الفلسفة الوجودية. في هذا المستوى، لا يعود الشخص منشغلاً بالذنب أو السبب، بل يركّز على الاختيار الواعي والتقدّم بسلام داخلي.
موضع السيطرة Locus of Control في العلاج النفسي
في العلاج النفسي، يُستخدم موضع السيطرة كأداة لتقييم الحالة، وكذلك كهدف للتطور. في العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، مثلاً، يتم توجيه العميل لإعادة تشكيل أفكاره السلبية التي تعكس سيطرة خارجية — مثل: "لا يمكنني فعل شيء حيال هذا" — إلى أفكار أكثر تمكينًا — مثل: "ما الذي يمكنني التحكم فيه في هذا الوضع؟"
وبالمثل، في العلاج النفسي الموجه نحو الصدمة Trauma Focused Therapies يلعب موضع السيطرة دورًا أساسيًا في عملية التعافي، من خلال مساعدة الناجين على الانتقال من شعور بالعجز (موضع السيطرة الخارجي) إلى شعور بالتمكين والسيطرة الذاتية (موضع السيطرة الداخلي). غالبًا ما تترك الصدمة الأفراد يشعرون بأنهم فقدوا السيطرة على حياتهم ومشاعرهم وأمانهم، مما يعزز الاعتقاد بأن القوى الخارجية تتحكم في تجربتهم. تساعد العلاجات الموجهة نحو الصدمة — مثل علاج EMDR أو العلاج المعرفي السلوكي CBT المركّز على الصدمة أو الأساليب الجسدية — العملاء بلطف على استعادة السيطرة على أفكارهم، واختياراتهم، واستجابات أجسامهم. ويساعد هذا التحول في تقليل التفاعل العاطفي، وتعزيز التنظيم الانفعالي، واستعادة الإحساس بالأمان. ومع تطور موضع السيطرة الداخلي لدى العميل، يزداد شعوره بالثقة في قدرته على التكيف، ويعيد بناء علاقة أكثر صحة مع ذاته ومع العالم من حوله.
في العلاج التحفيزي المعزز Motivational Enhancement Therapy (MET)، يلعب موضع السيطرة LOC دورًا حيويًا في مساعدة العملاء على الانتقال من حالة السلبية وإلقاء اللوم على العوامل الخارجية إلى تبنّي التغيير الذاتي الواعي. فكثير من الأفراد يدخلون العلاج وهم يمتلكون موضع سيطرة خارجي، حيث يعتقدون أن مشاكلهم ناتجة عن الآخرين أو عن سوء الحظ أو ظروف لا يمكنهم التحكم بها. يساعد MET في تغيير هذا النمط من التفكير بلطف من خلال استخدام تقنيات مثل الاستماع العاكس، والتعزيز الإيجابي، وتطوير التباين، مما يشجع العميل على إدراك دوره في سلوكياته وقدرته على التغيير. ومع تحول موضع السيطرة إلى داخلي، يكتسب العميل شعورًا أكبر بالكفاءة الذاتية والدافعية والانخراط في العملية العلاجية. ويُعد هذا التحول نحو موضع السيطرة الداخلي ضروريًا لإحداث تغيير مستدام، خاصة في علاج الإدمان والتحديات السلوكية الأخرى.
بعض الأساليب الأخرى مثل العلاج بالقبول والالتزام Acceptance and Commitment Therapy(ACT) أو أنظمة الأسرة الداخلية Internal Family Systems (IFS) تذهب أبعد من ذلك. فهي تشجع الشخص على ملاحظة الأجزاء الداخلية التي تتمسك باللوم أو الخزي، وتدفعه بلطف نحو الاندماج والرحمة الذاتية. فهذا النُهج تدرك أن الشفاء لا يعني مجرد استبدال اللوم الخارجي بلوم الذات، بل التحرر من الحاجة إلى اللوم من الأساس.
موضع السيطرة الداخلي الناضج لا يعني الاعتماد الكلي على الذات أو إنكار الواقع الخارجي، بل يتطلب تمييزًا حكيمًا: ما الذي يمكنني التحكم فيه؟ ما الذي يجب أن أقبله؟ وما الذي يمكنني تغييره من خلال نظرتي؟ النمو الحقيقي لا يعني إنكار دور الآخرين أو الظروف، بل اختيار كيف أستجيب لها. وكما قال الطبيب النفسي الشهير و مؤسس علاج لوغوثيرابي Logotherapy ( تتبنى العلاج النفسي عبر ايجاد معنى للحياة بحسب الفلسفة الوجودية ) فيكتور فرانكل Viktor Frankl: "يمكن أن يُسلب من الإنسان كل شيء إلا شيء واحد: آخر حرياته — أن يختار موقفه في أي ظرف كان."
ختاما، يرسم المثل الصيني السابق طريقًا نحو النمو و النضوج النفسي: من اللوم الخارجي، إلى المسؤولية الداخلية، إلى التسامي و التسامح. في كل من التنمية الشخصية والعلاج النفسي، فإن تطوير موضع السيطرة الداخلي المصحوب بالحكمة والتعاطف يفتح الباب أمام تحوّل عميق. وعندما يتلاشى اللوم، يبقى الحضور، والقدرة، والسلام.
شكرا جزيلا مقدما على تفاعلكم
#ودمتم بود و محبة
د. نادر الزين عماره
إستشاري الطب النفسي
القاهرة 2 سبتمبر 2026