05/16/2026
الاحتراق النفسي لدى الأخصائيين النفسيين
تُعدّ المراجعة المنهجية التي أنجزها Hugh M. McCormack وزملاؤه، والمنشورة سنة 2018 في مجلة Frontiers in Psychology، من الدراسات التي تناولت بصورة شاملة ظاهرة الاحتراق النفسي لدى الأخصائيين النفسيين الممارسين، بهدف تجميع الأدلة المتاحة حول هذه الظاهرة في سياق الممارسة الإكلينيكية والإرشادية. وقد استندت الدراسة إلى نموذج Christina Maslach وJackson ثلاثي الأبعاد للاحتراق النفسي، الذي يصف الظاهرة من خلال ثلاثة مكونات أساسية: الإنهاك الانفعالي، وتبلّد المشاعر أو التجرّد الوجداني، وتراجع الشعور بالإنجاز الشخصي. وتؤكد الدراسة أن الاحتراق النفسي يرتبط بالتعرض المزمن للضغوط المهنية والانفعالية، وما قد يترتب عنه من آثار على صحة الممارس النفسية وعلى جودة الخدمات العلاجية، مع الاستناد إلى أطر نظرية مثل نموذج متطلبات العمل–الموارد (JD-R) ونظرية الحفاظ على الموارد (COR) لفهم العلاقة بين متطلبات العمل والموارد المتاحة والخصائص الفردية.
منهجيًا، اتبعت الدراسة بروتوكول PRISMA الخاص بالمراجعات المنهجية، واعتمدت على تحليل الدراسات المنشورة باللغة الإنجليزية حتى 1 يناير 2017 عبر قواعد بيانات علمية مثل Web of Science وSCOPUS وGoogle Scholar. وبعد عملية فرز منهجية شملت 308 دراسات أولية، تم إدراج 29 دراسة استوفت معايير الاشتمال، مع تقييم جودتها المنهجية باستخدام أداة Crowe Critical Appraisal Tool. وقد أظهرت النتائج أن الإنهاك الانفعالي يمثل البعد الأكثر بروزًا ضمن أبعاد الاحتراق النفسي لدى الأخصائيين النفسيين، مع تباين في مستويات انتشاره بين الدراسات، حيث أظهرت بعض النتائج ارتفاعًا ملحوظًا في مستويات الإنهاك، دون إمكانية استخلاص معدل انتشار موحد بسبب اختلاف العينات وأدوات القياس.
كما تشير النتائج إلى أن عبء العمل يُعد من أبرز العوامل المرتبطة بالاحتراق النفسي، بما في ذلك كثافة الحالات العلاجية، وطول ساعات العمل، والمهام الإدارية، والتعرض المستمر لحالات معاناة نفسية شديدة. كما أظهرت بعض الدراسات أن الممارسة الخاصة قد ترتبط بانخفاض نسبي في بعض أبعاد الاحتراق، خصوصًا عند ارتفاع مستوى الاستقلالية المهنية، رغم أن النتائج في هذا الجانب لم تكن متسقة بشكل كامل. كذلك لوحظ أن التعرض للحالات الصادمة، والضغوط الأخلاقية، والصراعات التنظيمية قد يسهم في زيادة مستويات الاحتراق النفسي.
وعلى مستوى العوامل الفردية، أظهرت النتائج علاقة عكسية بين العمر والخبرة المهنية وبين مستويات الاحتراق النفسي، حيث يبدو أن الأخصائيين الأصغر سنًا والأقل خبرة أكثر عرضة للإنهاك والتبلّد الوجداني، بينما ترتبط الخبرة الأكبر بقدرة أفضل على التكيّف وتنظيم الانفعالات. كما أظهرت بعض الدراسات فروقًا مرتبطة بالنوع الاجتماعي، حيث تميل النساء إلى تسجيل مستويات أعلى من الإنهاك الانفعالي، بينما قد يظهر الرجال مستويات أعلى من التبلّد الوجداني في بعض العينات. في المقابل، برزت مجموعة من العوامل الوقائية، مثل الدعم الاجتماعي، والإشراف المهني، والإحساس بالتحكم والاستقلالية، والكفاءة الذاتية، إضافة إلى ممارسات اليقظة الذهنية، والتي ارتبطت بانخفاض مستويات الاحتراق النفسي.
وتخلص الدراسة إلى أن الاحتراق النفسي لدى الأخصائيين النفسيين يمثل ظاهرة مهنية مرتبطة بطبيعة العمل العلاجي ومتطلباته الانفعالية، مع تباين في شدته تبعًا لعوامل تنظيمية وفردية متعددة. كما تشير إلى أن هذه الظاهرة لا تؤثر فقط على صحة الممارس النفسية، بل قد تنعكس أيضًا على جودة الأداء المهني والعلاقة العلاجية. وتوصي الدراسة بضرورة تعزيز التدخلات الوقائية المبنية على الأدلة، مثل تقليل عبء العمل، وتحسين بيئة العمل، وتوفير الإشراف والدعم المهني، إلى جانب إجراء المزيد من الدراسات الطولية لفهم تطور هذه الظاهرة عبر الزمن.