27/08/2026
مقال اعجبني ، فيه افكار دائما تخطر على بالي :
عمري ما لقيت إجابة لسؤال..أسعار السمك في مصر..
بلد عندها 2000 كم من سواحل البحر الأحمر، و 1000 كم من سواحل البحر المتوسط، ونهر النيل بطول 1500 كم داخل أراضيها..و14 بحيرة عملاقة من وزن بحيرة ناصر، اللي مساحتها مليون وربع المليون فدان، وهي أكبر بحيرة على وجه الأرض..
ازاي كل الثروة المائية دي ولما تيجي تدخل مطعم تأكل شوية سمك نضيف وجمبري هتعدي ال 2000 ج لو مدفعتش حاجة..ازاي أصلا الجمبري وصل ل 1200 ج الكيلو..ازاي السمك والقشريات بقوا وجبة مستحيلة على الأسرة المصرية؟..وآخرهم منها كيلو سمك بلطي نيلي أو سمك ماكريل مستورد وشوية مكرونة..وهي من أقل أنواع السمك جودة على الإطلاق..
الناس كان بيغلى عليها اللحمة، تقوم تسيبها، وتروح للفراخ..سعر الفراخ يرفع، تلاقي الأسرة المصرية راحت للسمك..كان شيء بديهي ومضمون وسعره على قد الإيد..حتى الجمبري، وهو طول عمره غالي عن السمك، كان في بيوت الناس العادية مبيتقطعش..ويختلف من أسرة لأسرة في كام مرة هياكلوه..لكن دلوقتي محرم بالمطلق على عشرات ملايين البشر..
الفكرة مش السمك..ولا اللحمة..الفكرة لما تبص لأثر انحسار البروتين على المصريين..والبدائل الغذائية..بالذات الطبقة المتوسطة اللي ماسكة في تلابيب الدنيا بالعافية.. مفيش أكل نضيف..تعمل إيه؟...صوصات وجبنة سايحة..دي موضة السم الزعاف الجديدة..سندوتش متروس لحمة مجهولة المصدر، وفوقه طن جبنة موتزاريلا، وصوصات شيدر وباربكيو وقس على ذلك..وتلاقيه ب 120 و 150..ازاي؟..
ازاي مع إنك لما تفك مكوناته، مستحيل الثمن ده يبقى منطقي..ده الموتزاريلا الحقيقية لوحدها بتمن الساندوتش كله..الناس عايزة تشبع..خدت الفقر وضيق الحال في كل شيء..ونفسها بس في أي حاجة تحسسها إنها متشعلقة في الطبقة اللي فوق..مفيش..لا هيركبوا عربيات زي عربياتهم، ولا يسكنوا في شقق زي شققهم..قامت جاية المطاعم ولفقت لهم شكل من أشكال الثراء المؤقت الذي لا تزيد مدته عن نصف ساعة..الأكل..
اعمل يا بني..فطيرة كيري بسطرمة..وركز أوي على كلمة كيري..اللي هي أصلا ال 12 مكعب منها كسروا ال 150 ج..بس احنا هنجيب جبنة شبهها محقونة زيوت تحت بير السلم..ونسميها كيري..كل الكيري وافرح يا مواطن يا بسيط ياللي مش عارف تعمل إيه في فاتورة الكهرباء..خلصت الكيري..تعالى حلي شوكولاته بلجيكي وصوص بيستاشيو وكراميل مملح، وألف نوع سكر مجهول الهوية وسام حتى النخاع..ونسميها من عند البراند التافه ده أي حاجة..واسمك كلت بيستاشيو وستروبيري صوص..وأهو أي حاجة تيجي من ريحة الأغنياء..ومتنساش دايما تزود جبنة وتندهش كل مرة إنها بتمط..واوعى تسأل عن مصدرها..لأن مفيهاش من ريحة الجبنة غير بواقي البقالة وطن نشا وزيوت فوقها..
في كتاب اسمه " صناعة الجوع" للمؤلف فرانسيس مورلاييه، ومن إصدار عالم المعرفة..كان بيحكي، في أحد فصوله، قصة عن شركة كوكاكولا..راحت البرازيل عشان تبيع منتجها الجديد..فانتا برتقال..لقت الناس في ظروف بائسة جدا، والدنيا اسودت في وشهم، لما فاكهتهم المفضلة " الجورانا" سعرها ارتفع..ف يالا بينا يا فخر الرأسمالية الأمريكية نبيع لهم الوهم..نجيب بنت شيك لابسة قصير، واقفة جنب شاب وسيم، زراير قميصه مفتوحة، وهما الاتنين راكبين عربية فورد موستانج..
الفقير شايف كل ده وعارف إنه مش هيطوله..لكن وهو في وسط الحلم عينه هتلمح في إيد الأغنياء ازازة فانتا برتقال..هيروح يشتريها وهو بيوهم نفسه إنه خلاص بقى شبههم..لكن ولا عمره أبدا هيوصلهم..خد المرض اللي في الفانتا وال 14 معلقة سكر اللي فيها، والغني هيفضل محافظ على صحته، ونظامه الغذائي كله بروتين عالي القيمة وخضروات ومشروبات صحية..نفس اللعبة بتتكرر..من البرازيل لمصر، ومن فانتا لبلبن..الحاجة الوحيدة اللي اتغيرت هي الوسيط..
الوسيط مبقاش إعلان في الشارع..لأ..بقى شوية شباب اسمهم فود بلوجرز..يلفوا باللقمة على المطاعم، عشان يبيعوا لك القطران متغلف في ورق سوليفان..وسايح من فوقه زبدة الفول السوداني..هما يقبضوا فلوس ويركبوا عربيات ويصيفوا في الساحل، وأنت تعيش حياتهم الافتراضية..وعمرها ما كانت ولا هتكون حياتهم الحقيقية..أنت الزبون..وهتدفع الثمن..مرة لصاحب المنتج والتانية للبلوجر والتالتة من صحتك..كله على حسابك..
لكن فعلاً..ماذا تبقى للناس غير الأكل؟..مفيش..لما متع الدنيا الكبيرة في نجاح وترقي وظيفي وسيارة وبيت لائق..لما كل ده يتهد فوق رأسك وعايز مسكن يفكرك إنك لسه حي وبتحس..هتعمل إيه؟..ببساطة..هتروح لأرخص حاجة تملأها، ولأسرع شيء يوفر لك شعور بالرضا..هتروح لمعدتك..مفيش حاجة تانية تقريباً..ملايين عايشين كده..وكأن ضيق الحال ليس عقوبة كافية، فيأتي العقاب المؤجل بالمرض..
وهذا إحساس مرير جدا..أن تمر من أمامك نعم الله، فلا تدرك منها شيئا..أن تعيش شبه حياة..وتأكل شبه أكل..وحتى عندما ترحل..لن تكون أكثر من شبه إنسان..ذاق الدنيا ذات مرة من على طرف الملعقة..وكان طعمها في حلقه..زيوت مهدرجة..الأكل يحكي قصص الشعوب، يحكي عن ثراءها واستقرارها، بهجتها وانبساطها، عن صحتها وأعمارها..وحينما يحكي هذا الأكل قصة المصريين..فلن يجد سوى الفقر المديد والألم !
عبده فايد