15/04/2026
《تازدايت بالسواني من إقليم ڤورارة وقصر أولاد آدام وقصتهما مع السلطان التلمساني أبو حمو موسى الثاني الزياني》
كلنا نعلم بأن السلطان الزياني أبا حمو موسى الثاني لجأ إلى ڤورارة (ولاية تيميمون حاليا) واستنجد برجالها؛ من أجل استرداد ملك أجداده، وأعني هنا المغرب الأوسط (الجزائر حاليا). المُلك الذي سلبه منه عدوه اللدود السلطان عبد العزيز المريني، حيث نزل السلطان المذكور عند كبراء ڤورارة؛ من أجل التقوى وتنظيم الجيوش وإعداد العدة؛ فأعد جيشاً جراراً من زناتة وبني عامر وعرب المعقل فحقق بهم نصرا عظيما كان من أغرب الغرائب في زمانه كما وصفه الفتشالي في مناهل الصفا.
وعن هذا الحدث يقول كاتب الدولة الزيانية أبو زكريا يحيى بن خلدون في كتابه "بغية الرواد" أثناء تحدثه عن نزول السلطان المذكور بتازدايت بسواني من إقليم ڤورارة ما نصُّه:
[ودخل بعده القوارير فحوصاً فيحاء منتسقة؛ تحيط بكل منها كثبان شواهق؛ وعند منتهاها قصور تُعرف بالسواني؛ يعمرها صنف من البشر يُعرفون بـ: بني يالدز؛ أشباح خاوية؛ قد نشرت جلداً على عظم؛ لبرض القوت، فارتوى الناس بها ساعة من نهار، ثم استمر إلى تجورارين؛ قصور متكاثبة حفافي سبخة مستطيلة، تعمرها قبائل مختلفة من: زناتة، وبني يالذر، ونزنجة، ومسوفة، أولواْ مذاهب مخلتفة ونحل مبتدعة، يجلبون إليهم الماء من كثبان محيطة بهم؛ رأي العين في أسراب مفيضة إلى عقارهم، فسبحان الخالق الرزاق المدبر، لا إله إلا هو. فتلقَّى جميعهم الخليفة -نصره الله تعالى- بالبر والترحيب والإجلال والتعظيم، وعرفواْ لمنصبه الملوكي قدره، وبايعواْ له من عند آخرهم بالخلافة، ثمَّ تشاحواْ في إنزاله وخيَّروه؛ فارتضى قصر "أولاد آدم" من الشط الشمالي، فافرجواْ له عنه، وأكرمواْ به مثواه، وذلك آخر السنة، فاستقر به ولسان حاله ينشد قول السموءل بن عاديا حيث يقول: "إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه *** فكل رداء يرتديه جميلُ"...(إلى آخر القصيدة)].
وعن رؤيا رآها السلطان المذكور بقصر أولاد آدام "تيمدوين" بڤورارة يقول أبو زكريا يحيى بن خلدون مانصُّه:
[أهلَّ لأمير المسلمين -أيده الله- هلال محرم هذه السنة المباركة بتجورارين؛ حسبما قلناه، وعلى الحال الذي وصفناه؛ إلاَّ أنَّ الرجاء في الله قوي، وحسن الظن به من الظنة بري، وصراط الصبر لانتظار الفرج سوي، فكان مما خوطب به -أيَّده الله- في عالم النوم يومئذٍ: بعد ستةٍ تعود إلى ملكك، فعيَّنها بتعبيره الصادق أشهراً؛ فكان كذلك دون نقص ولا زيادة سُنَّة حلمه في الحادثات].
وأضاف قائلاً عن القصر المذكور:
[وأقام بالقصر الذي أسميناه بتلك البلاد؛ يرحل أيام الشدة، ويزجي رياح الأمل، ويتنسم هبوب الفرج ستة أشهر، وكلُّ مبدأ فإلى غاية، وكلُّ حادث فإلى تمام، والله هو اللطيف الخبير].
وعاد السلطان أبو حمو موسى الثاني الزياني إلى تلمسان سالماً غانماً والحمد لله رب العالمين، يقول عن ذلك أبو زكريا يحيى بن خلدون مانصُّه:
[وفي السادس (06) جمادى الأولى ورد على الخليفة نصره الله بالقصر المسمَّى بقصر "أولاد آدام" رسل عبد الله بن شقير بالبشارة فقدم معهم بين يدَيْهِ الكريمتَيْنِ خلَّد الله ملكه ولده الأمير الأعلى أبا تاشفين، ثم وصله بأولاد يغمور بن عبد المالك من أولاد خراج نصيحه الأوفى الشيخ الأكمل أبو عمران موسى بن موسى بن خالد أعزه الله، فارتحل -أيده الله- معه قاصداً دار ملكه العزيز].
وينبغي هنا القول بأن القصر الذي لجأ السلطان المذكور هو لأولاد القاضي من الجهة الشرقي لأولاد سعيد ولا تزال بعض آثره قائمة، له بور كبير ضم قصور "باشغايب" وبور كدوفالة وتمحموت والمبروك وأُخلوف...إلخ. ولقد دافع حفدة أولاد القاضي على هذا الأرث التاريخي الكبير بكل ما أوتوا من قوة. فإليك أُنموذجٌ من أحكام قُضاة توات الكبرى حول نزاعات ملاك تلك المنطقة مع غيرهم:
[الحمد لله وحده، وصلَّى الله على سيِّدنا محمد وآله. في تاريخ ثمانية أيام من شهر ربيع الثاني عام: 1320هـ/(1902م). تحاكما لدينا علال بن الحاج بحفص الخنفوسي مع أولاد القاضي: سيِّدي الحاج محمد عبد الرحمان بن عبد الحكم، وسيِّدي محمد العربي بن سيِّدي أحمد الطيب على الأرض المسمَّاة بـ: "تمدوين" وبور "أولاد آدم" لفظان مترادفان، فادعى الأول أنَّ أباه غرس في تلك الأرض وكبر نخله وأكل نقره وهو وارث ذلك من أبيه، وأخرج الثاني ملكية الأرض وتحبيسها والصياح على أبيه الغارس لتلك الأرض وصياح أيضاً على ولده من بعده ومنعواْ لهم الحق وأخرج رسم الشريعة وقعت بينهما في حياة الغارس في عام: احدى وثمانين ومائتين وألف (1281هـ/1864م-1865) عند شيخنا الفقيه سيِّدي مَحمد بن سيِّدي أحمد الحبيب البلبالي وعذر للغارس يأتي بحجة يدفع بها عن نفسه لتمليك تلك الأرض فقد أجل له ثمانية (08) أيام ولم ياتي بحجة؛ وحكم عليه القاضي برفع يده عن تلك الأرض، وامتنع من ذلك ولم يرفع يده عنها ظلماً وجوراً، فلمَّا عاينتُ ذلك وحققته؛ حكمتُ بأنَّ ما حكم به القاضي شيخنا صحيح، ولا لعلال في الأرض شيء، وأنَّ لمالكها نخيلها وإن له قيمته حطباً، فلا بد من العُرَّاف يقوِّمون النخيل حطباً جريداً وخشباً بما يلزمه تقويمه على أنَّه نخل وإنما يلزمه في التقويم على أنَّه حطب؛ لأنَّه غاصب والغاصب له تقويم حطبه ولا يلزمه قلعه بمحضرة كل واحد...الذي يحكم فيه ولا بقي لنا مزيد لنص على الغصب لأَنَّ تصرف الغاصب لا يحتاج إلى نص يبين ذلك؛ لأَنَّ الغصب أغنى عن الأدلة، هذا ما أوجبه الشرع والعمل بمقتضاه والله أعلم. وكتب عُبيد ربِّه: مبارك بن محمد المأمون البلبالي وَقَّعَ الحكمَ في التاريخ أعلاه.
قائلاً: وإنَّ الغلة فتلزم الغاصب ما دَام حَكم عليه الشرع، ومنع من الخروج من المتاع، فتلزمه الغلة، وأمَّا ورثة الغاصب من بعده فإن منعواْ صارواْ غصباء، وإن لم يعلمواْ بالغصب ولم يصيح عليهم أحدٌ صارواْ ورثة النخيل واستغلوه بالشبهة أي شبهة الميراث قال خليل "والغلة لذي الشبهة" هذا ما أوجبه، والله أعلم. وكتب: مبارك بن محمد المأمون المذكور أعلاه.
الحمد لله وحده. الحكم أعلاه تام الشرط، مُحكم الربط، واضح المعنى، مُأسس المبنى، لا مطعن فيه لطاعن لوقوعه على نهج الشريعة السمحاء، والله تعالى أعلم. وكتب عبيد ربِّه تعالى: محمد بن عمر بن محمد بن أحمد الحبيب بن محمد بن المبروك البداوي لطف الله به آمين.
الحمد لله وحده. إعلم بصحة الحكم المرسوم أعلاه ونفوذه لبنائه على الهدي الشرعي. عبيد ربِّه: عبد الله بن أحمد الحبيب البلبالي لطف اله به.
الحمد لله وحده. وبعدُ فالحكم الصادر أعلاه ماضٍ نافذ؛ لأَنَّه مبني على الشريعة المحمدية، وموافق لكلام الأيمة، فلا يعدل عنه، والله أعلم. وكتب: عبد الرحمان بن عبد الله بن أحمد الحبيب البلبالي لطف الله به.
الحمد لله وحده. وبعدُ فالحكم الصادر أعلاه صحيح ماضي نافذ، لا يحيد عنه إلاَّ مَن لم يجد في الفهم مساعد، وبه يقول: محمد بن هاشم وفقه الله].
وهذا حكم آخر مبني على سابقه تم وقوعه في زمن القاضي الشيخ سيِّدي محمد عبد الحي بن أحمد الخضير الوجداوي، حيث كتب في ذلك أيضاً ما نصُّه:
[الحمد لله وحده، صلَّى الله على سيِّدنا محمد وآله. وبعد/ ففي ضحوة السبت الذي هو أول من شعبان عام ثلاثة وعشرون وثلاثمائة وألف 1323هـ/(1905م) ورد علي الأبران، وهما: البركة سيِّدي محمد عبد الرحمان بن الولي المرحوم برحمة الله سيِّدي محمد عبد الكريم بن سيِّدي محمد الطيب، وابن عمِّه سيِّدي الحاج محمد عبد الرحمان بن سيِّدي عبد الحكم برسم وعدتهما، بل وعدة الثاني منهما مع الشيخ بن علال النصيري الواقعة بعدليْ بلاد أولاد اسعيد وهما: الشريف سيِّدي مولاي اليزيد بن مولاي الحسن الدلدولي، وعاطفه محمد عبد الرحمان بن الحاج عبد القادر السعيدي، والحكم المبني عليها الواقع من القاضي سيِّدي امبارك بن سيِّدي المأمون الركاني قاضي تيميمون، في يوم الجمعة قبل يوم التاريخ أعلاه الذي حكم فيه بثبوت الأرض الملقبة: "تمدوين" و "آدم" لأولاد القاضي ولا كلام فيها لخصمهم المذكور، فتأملتُ مُستند القاضي المذكور؛ فوجدتُه صحيحاً؛ لأنَّه متبعاً في ذلك طريق مَن تقدم من شيوخنا، الأَوَّل منهم: القاضي الذي مات على العدالة وله علو السند وطول الباع في العلم الفقيه المرحوم البركة سيِّدي مَحمد بن أحمد الحبيب الحاكم بالأرض المذكورة لمن ذكر؛ لما تعدَّى عليهم مَن تعدَّى من ذوي سطوة الخنافسة الذي هو الحاج بحفص بن الحاج زيد فتواعد عليها مع الفقيه سيِّدي المحفوظ رحمه الله فحكم لمن ذكر عام إحدى وثمانين ومائتين وألف (1281هـ/1864م-1865م)؛ فتناسقت حكومات الأيمة الأعلام على صحة حكمه بثبوت الأرض المذكورة لأولاد القاضي ولا كلام لأحدٍ فيها من غيرهم. كشيخنا الأبر القاضي العدل العالم سيِّدي محمد بن عبد الله البُداوي، ووالدنا المرحوم سيِّدي أحمد بن محمد عبد الحي، والفقيه سيِّدي عبد الجبار، وسيِّدي محمد الصالح بن الشيخ علي، وسيِّدي الحاج بن سيِّدي البكري بن ولي الله القاضي سيِّدي عبد العزيز بن سيِّدي الحاج البلبالي وغيره من الفقهاء والقضاة التواتية، كلُّهم مُتفقون على أنَّ الأرض المذكورة لمن ذكر، ومع ذلك فترى البُغاة الظلمة يتعدون عليهم، ويمدُّون أيادي الغصب لها؛ ليتغلبواْ على أربابها، ويسلبوها منهم، وذلك منكر عظيم، يكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال ويغضب به رب الأرباب على أهل الأرض؛ لعدم كفِّ المتلصصين على المستضعفين. ولا يطالبون بملكية ولا بيِّنة، وتغنيهم النسبة وطول مُدتها، وذلك كاف يقوم مقام الحيازة التي هي أكبر ركن في قطع كثير من الخصومات في شرع الإسلام، ومَن تكلم في الأرض المذكورة من المحكوم عليهم ومن غيرهم؛ فقد بغى وظلم وتعدَّى وجرم، فلا له إلاَّ حطبه؛ لأَنَّه غاصب والغاصب ظالم، والظالم أحقُّ بالحمل عليه، فلو لم يُعاينواْ القضاة المذكورون مُلكيتها لمن ذُكِر؛ ما حكمواْ بها لهم؛ إذْ من المحال أن يتواطئواْ على الباطل والفجور؛ وهم جمٌّ غفيرٌ من العلماء العاملين، فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، والله تعالى أعلم. وكتب: عبيد الحي بن أحمد الخضير الوجداوي لطف الله به.
الحمد لله وحده. إعلم بصحة ما زبره الفقيه أعلاه صحيح ماضي نافذ، ولا يمتري فيه إلاَّ جاهل مُعاند، ولا يحيد عنه إلاَّ مَن لم يجد في الفهم مُساعد، وما جلبه من النصوص في محلِّها واضحة وضوح نار على علم، وبه يقول وعليه يوافق، ومُعلما مَن انصف وبالحق انتصف؛ لأنَّ ذلك عين الحق ولبابه، ووجه الفقه وصوابه. وكتب عُبيدُ ربِّه تعالى: محمد بن هاشم].
- بقلم عُبيد ربِّه تعالى: عبد الرحمان بن عبد الحي الجوزي السعيدي كان الله له وليا وبه حفيا.
عبد الرحمان الجوزي
عبد الرحمان الجوزي