17/08/2026
[دواء التشويش]
هذه صورة شاشة هاتفي.
أستدل بالذكاء الإصطناعي في كل ما علمي و معرفتي يقلان فيه.
يساعدني في فهم ما قد سبب الصوت الغريب في سيارتي، أو لماذا تعطل فجأة مكيف الهواء في منزلي.
أزوده بمعلومات من أدق ما يمكن لي، و يزودني بإحتمالات و تفاسير بعضها محتملة و بعضها مستبعدة. لكن كلها مستندة لمراجع و أسس معرفية موثوقة و متفق عليها.
مجرد حوار و نقاش يساعدني على توسيع مجال فهمي و تقليص فجوة جهلي.
لا يحل محل الميكانيكي و لا محل الفني الكهرومنزلي.
لكن بواسطته وعيي أحسن و يصعب وقوعي في خدمات سيئة أو ربما معاملات مغشوشة.
و كذلك هو في مجال الصحة.
من يقرر ما هو الأفضل لصحتك؟
الطبيب؟
قريبك؟
صديقك؟
أم شخص تعرفت عليه وأعطاك رأياً يبدو مقنعاً؟
من أكثر المواقف التي أواجهها في عملي أن يأتي المريض بعد أن اتخذ قراراً طبياً مدروساً، وبعد أن شرحت له حالته، وناقشنا الفوائد والمخاطر والبدائل والنتائج المتوقعة… ثم يعود متردداً لأن شخصاً آخر قال له:
«لا تجرِ العملية، ستندم.»
«العملية خطيرة جداً.»
«الجراحة تخرب الظهر.»
«أعرف شخصاً أجرى العملية وساءت حالته.»
«العلاج الطبيعي يكفي دائماً.»
«كل هذه العمليات غير ضرورية.»
«الأطباء يريدون فقط أن يجروا العمليات.»
المشكلة ليست أن يستشير المريض شخصاً آخر.
بل المشكلة عندما يتحول الرأي الشخصي إلى "حقيقة طبية"، وعندما تُبنى قرارات صحية مهمة على الخوف، أو على تجربة شخص آخر، أو على معلومات غير دقيقة، أو على رأي شخص لا يملك الاختصاص اللازم لتقييم الحالة.
حتى بين الأطباء، يمكن لطبيب من اختصاص آخر أن يكون ممتازاً في مجاله، ولكنه لا يكون بالضرورة مؤهلاً لتقييم كل تفاصيل جراحة العمود الفقري أو تحديد ما إذا كانت حالة معينة تستفيد من التدخل الجراحي أم لا.
وبالمثل، فإن اختصاصيي العلاج الطبيعي لهم دور مهم جداً في علاج وتأهيل الكثير من أمراض العمود الفقري، لكن تحديد الاستطباب الجراحي، وتقييم مخاطر الجراحة وفوائدها، وتقدير احتمالات التعافي العصبي، هي مسائل تحتاج إلى تقييم طبي متخصص، وليست مجرد مسألة "تمارين أم عملية".
والأهم من ذلك كله:
لا تجعل قرارك الطبي رهينةً لمن يتحدث بثقة أكبر.
الشخص الذي يقول لك «لا تفعل العملية» ليس بالضرورة مخطئاً.
والشخص الذي يقول لك «يجب أن تجري العملية» ليس بالضرورة محقاً.
المعيار هو: على أي دليل علمي بُني هذا الرأي؟
هل تم الاطلاع على صور الأشعة؟
هل تم فحصك سريرياً؟
هل تم تقييم قوة العضلات والأعصاب؟
هل تم تحديد التشخيص بدقة؟
هل توجد بدائل للعلاج؟
ما احتمال نجاح كل خيار؟
ما مخاطر عدم العلاج؟
وما مخاطر العلاج؟
وهل المعلومات التي أعطيت لك مستندة إلى الدراسات العلمية الحديثة والإرشادات الطبية، أم إلى تجربة شخصية أو قصة سمعتها من أحد؟
وهنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون مفيداً جداً.
لا أقصد أن تستبدل طبيبك بـ ChatGPT أو بأي نظام ذكاء اصطناعي آخر.
بل العكس تماماً.
يمكنك استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة لفهم حالتك بشكل أفضل، وطرح الأسئلة التي ربما لم تخطر ببالك أثناء الاستشارة، ومناقشة المعلومات التي حصلت عليها من مصادر مختلفة.
يمكنك أن تكتب له، وباللغة التي ترتاح إليها:
«هذا تشخيصي.»
«هذه نتيجة التصوير بالرنين.»
«هذه الأعراض التي أعاني منها.»
«هذه قوة العضلات عندي.»
«هذا ما قاله لي طبيبي.»
«وهذا ما قاله لي طبيب آخر.»
«وهذا ما قاله لي أخصائي العلاج الطبيعي.»
ثم تسأله:
ما الذي يتفق مع الطب المبني على الدليل؟
ما الذي يعتبر رأياً شخصياً؟
ما المعلومات التي لا توجد عليها أدلة قوية؟
ما البدائل المتاحة؟
ما المخاطر الحقيقية لكل خيار؟
وما الأسئلة التي ينبغي أن أطرحها على طبيبي قبل اتخاذ القرار؟
والميزة المهمة أن بإمكانك القيام بذلك بالعربية أو الفرنسية أو الإنجليزية أو بأي لغة تفهمها جيداً، ثم تطلب شرح المصطلحات الطبية بطريقة بسيطة.
لكن هناك قاعدة مهمة جداً:
الذكاء الاصطناعي ليس طبيبك، ولا ينبغي أن يكون صاحب القرار النهائي.
هو أداة للمعلومات والفهم والمقارنة، ويمكن أن يخطئ أيضاً.
لذلك، عندما يكون القرار طبياً مهماً، استخدمه لكي تصبح مريضاً أكثر وعياً، وليس لكي تستبدل الاستشارة الطبية.
وإذا وجدت تعارضاً بين ما يقوله الذكاء الاصطناعي وما يقوله طبيبك، فلا تختَر ببساطة الإجابة التي تعجبك أكثر.
اسأل طبيبك عن سبب الاختلاف، واطلب منه الدليل، واستشر اختصاصياً آخر مستقلاً إذا بقي الشك قائماً.
وأخيراً، هناك فرق كبير بين "الحذر" و"الخوف".
من حقك أن تخاف من العملية.
ومن حقك أن تطلب رأياً ثانياً.
ومن حقك أن ترفض العلاج.
ومن حقك أن تنتظر إذا كانت حالتك تسمح بالانتظار.
لكن يجب أن يكون قرارك مبنياً على فهم حقيقي لحالتك، وليس على التخويف.
الجراحة ليست دائماً الحل.
والعلاج التحفظي ليس دائماً الحل.
وأحياناً يكون القرار الصحيح هو العملية، وأحياناً يكون القرار الصحيح هو عدم إجراء العملية.
الطبيب الجيد لا يبحث عن عملية لكل مريض، ولا عن منع العملية لكل مريض.
الطبيب الجيد يبحث عن الخيار الأنسب لهذا المريض بالذات، بناءً على التشخيص، والفحص، والصور، والأدلة العلمية، وموازنة الفوائد والمخاطر والبدائل.
لذلك، قبل أن تتخذ قراراً قد يؤثر على صحتك لسنوات قادمة:
اسأل. افهم. تحقق. قارن الأدلة. خذ رأياً ثانياً عند الحاجة. واستخدم الأدوات الحديثة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، لكي تفهم بشكل أفضل.
لكن لا تسمح للخوف، أو لتجربة شخص آخر، أو لرأي غير مؤهل، بأن يتخذ القرار بدلاً منك.