21/04/2022
الحرم يبكي
قطعًا هناك فوائد جمة لا تُحصر في أداء العمرة، والتي تعدل في رمضان حجّة كما أخبرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، الذي قال: "العمرة إلى عمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"، وأنها سُميت بالحج الأصغر، حيث تتشابه مع الحج بالطواف، والسعي والحلق، أو التقصير، وأن ركعة واحدة في الحرم المكي تعدل مئة ألف ركعة، مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواها إلا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه".
وعلى الرغم من عودة المعتمر عادة بقدر وافر من الخواطر والمشاعر والذكريات الطيبة التي يعيشها ويراها ويسمعها في رحلته إلى البقاع الطاهرة والمشاعر المقدسة وهو ما كنت المسه طوال ثلاثين عامًا مضيت وأنا احرص الحفاظ علي تلك الرحلة الروحانية، غير أن تجربتي هذه المرة أشعر فيها بالحزن وأنا أكتب من أطهر بقعة على الأرض بمكة المكرمة، وذلك للمشهد الذي أراه الآن والأحداث التي أعايشها، ما يؤثر سلبا على هذه التجربة الروحانية الطيبة، وسبب ذلك تلك المعاملة السيئة والجافة مع المعتمرين في مواقف عدة، كأن الأمر عقاب لهم على حجهم الصغير في شهر رمضان المبارك، ومن ذلك دفع الحراس للمعتمرين بطريقة فجة ودون وعي مما يترك ضيقًا وشعورًا غير ملائم للحظة العبادة الروحانية التي تتطلب صفاءً نفسيًا وهدوءاً وسكينة، وأمام سوء التنظيم والمعاملة يجد المعتمر نفسه أمام حلين: أما ارتداء لبس الأحرام طوال الوقت ليسمح لك بالدخول ( وهذا يعني تحايل المعتمر ليخرج من حالته الروحاني الصادقة)، أو يجد نفسك مجبر أن يصلي في غرفتك المطلة عَلى الحرم، في وقت يتمنى فيه كل حاج ومعتمر أن يسجد في الحرم ولا يترك فرصة وجوده معتمراً هباء دون هذه اللحظة، وكذلك المنع من دخول الروضة الشريفة إلا بتصريح تحصل عليه من خلال الدخول علي تطبيق (اعتمرنا) فلا تجد موعدً، فتضطر للذهاب والانتظار في طابور طويل وبعد اربع ساعات من الانتظار وبشكل مهين أمام الروضة بسبب الدفع وسوء معاملة من الحراس لايسمح لك بالدخول، فهل يعقل أو يليق ذلك!!.
في الواقع لقد ساءني وكثير من المعتمرين هذه السلوكيات في مقام لا يليق به إلا كل مودة وسماحة وإتاحة الفرص السمحة للمعتمرين أن يؤدوا العبادات في الحرم بصدر رحب ومطمئن وبسوش غير ساعر بحنق أو ضيق، وأقول ذلك لأنني اعتدت أداء العمرة كل عام، أعود بعدها راضيًا سعيدًا مطمئنًا هادئ النفس، مُنفَرج السريرة، لذا صدمت مما رأيت في هذه المرة، وقد سمعنا وقرأنا عن إجراءات جديدة للتيسير على المعتمرين وقيل أن هناك توسعة وتجهيزًا حتى يتسع المكان لضيوف الرحمن، فما شاهدنا توسعة ولا أي جديد سوى هذه المعاملة التي لا تليق ببيت الله الحرام، ولا بضيوفه الذين جاءوا من كل فج قاصدين وجه ربهم بنفوس مقبلة على عبادته، فما شعرت سوى برغبة في البكاء، كبكاء الحرم الذي لا يرضى بكل هذا، من سلوك يفسد مذاق العبادة في النفس ويطغى على الذاكرة الطيبة بسبب هذا الجفاء والمنع والتضييق.
لذا لعلها فرصة أن أدعو مخلصًا إدارة الحج للنظر فيما تتبعه من نظام جديد مع الحجيج والمعتمرين يرسخ والعياذ بالله نفورا في الصدور، بعد أن كان الإنسان ما أن يغادر الأراضي المقدسة يود لو بقي العمر كله عابداً ساجداً داعياً مطمئناً.