04/03/2026
جالي مريض في التلاتينات من عمره بيشتكي من شكوى غريبة جداً بس الحقيقة وصفها بشكل عبقري عجبني لأقصى درجة و أثار جوايا حفيظة البحث و التنقيب عن الوصف العلمي لشكوته.
المريض شكوته عبارة عن ٣ كلمات : (( أنا بحس بجسمي))
طلبت منه يشرح لي أكتر يعني إيه بتحس بجسمك ؟؟
قال لي :-
• يعني بحس بخبط قلبي في صدري.
• يعني بحس بحركة الرئتين جوة القفص الصدري و أنا بتنفس.
• يعني بحس بحركة الدم جوة عروقي.
• يعني بحس بحركة معدتي و أمعائي جوة بطني.
• يعني بحس بكهربة الإشارات العصبية في ايدي و رجلي.
• يعني بحس بشدة عضلات جسمي كله.
بصراحة وصف الشكوى شدني و خلاني أفكر و أبحث و أرجع تاني لكتب علم الفسيولوجي و المخ و الأعصاب.
قرأت معلومات في غاية الأهمية و الخطورة و التعقيد بس هحاول أبسطها لكم بقدر الإمكان ..
الخالق - سبحانه و تعالى- خلق أعضاء جسمنا المختلفة عبارة عن سلسة مصانع جنب بعضها أو منطقة صناعية شديدة التعقيد لا تتوقف عن العمل ليل نهار.
كل مصنع من المصانع دي أثناء عمله بيعمل ضوضاء و ضجيج مزعج لو كل واحد فينا حس بيه مش هيعرف لا ينام و لا يرتاح و لا يشوف شغله و يمكن يتجنن و يفقد عقله.
و عشان كده ربنا - سبحانه و تعالى - خالق في جهازنا العصبي حاجة زي الفلتر و ظيفتها الأساسية منع وصول الإشارات الحسية من أعضاء الجسم المختلفة طول ما هي شغالة بشكل طبيعي.
الفلتر الموجود في جهازنا العصبي ده بيخلي كل المصانع اللي جوة جسمنا دي شغالة طول الـ ٢٤ ساعة من غير ما نحس بيها إطلاقاً.
أومال إمتى نبدأ نشعر و نحس بالمصانع دي ؟
في حالتين :-
١- لو حدث تغير أو خلل في أداء أحد الأعضاء لوظيفته .. زي مثلاً إن ضربات القلب بقت أسرع أو أبطء من المعدلات الطبيعية المعتادة أو حصل عدم انتظام و خلل في الإيقاع القلبي .. في الحالة دي يبدأ الشخص يشعر بضربات قلبه بتخبط في صدره و يحس بعدم الارتياح اللي ممكن يوصل للذعر و الهلع.
أو زي مثلاً لو الشخص حصل له التهاب في المعدة أو الأمعاء فيبدأ يحس بحموضة العصارات الهاضمة و حركة الأمعاء و المعدة و تقلصات شديدة داخل البطن.
٢- لو حصل خلل في فلتر الجهاز العصبي المسئول عن منع وصول الإشارات الحسية من أجهزة و أعضاء الجسم المختلفة إلى مراكز الإدراك في المخ .. في الحالة دي الشخص بيشعر بكل شيء بيحصل في جسمه حتى لو كل وظائف جسمه سليمة ١٠٠٪
الشخص السليم لو جرب كده يحط ايده على قلبه أو على نبض شريان الرسغ .. هيحس نبض القلب و الشريان في أطراف صوابعه رغم إنه مش حاسس النبضة دي في صدره و لا حاسس نبض الشريان في الرسغ.
الشخص السليم مستحيل يشعر حركة و صوت الأمعاء جوة بطنه رغم إنه لو حط السماعة الطبية على بطنه و سمع حركة بطنه هيستغرب إزاي مش حاسس و لا سامع كل ده.
الشخص الطبيعي مش بيحس بعضلات جسمه مشدودة رغم إنها مشدودة بدرجة معينة عشان تحافظ على شكل الجسم و استقامة العمود الفقري و حركة المفاصل بسلاسة.
بمجرد ما الفلتر العصبي ده يحصل فيه خلل ؛ المخ بيتسرب له ملايين و ربما عشرات الملايين من الإشارات العصبية من أعضاء الجسم المختلفة اللي ما كانش حاسس بيها و لا واخد باله منها أصلاً.
و لذلك المريض ده دايما ً مشوش التفكير .. شارد الذهن .. كثير النسيان .. شبه منفصل عن الحياة و الواقع لان مخه مستهلك و منهمك على مدار الوقت في استقبال إشارات عصبية من أجهزة جسمه المختلفة بتخلي دايماً مخه مشتت عن استقبال الإشارات العصبية من البيئة المحيطة به و الأشخاص اللي بيتعاملوا معاه ؛ و بالتالي يبدأ في الانعزال عن الحياة و العمل و الأسرة و يتقوقع داخل نفسه لان جهازه العصبي منهك دايماً لدرجة إنه أصبح غير قادر على استيعاب أي مؤثرات خارج جسمه.
و هو ده اللي بيحصل بالظبط في مرضى اضطرابات العصب الحائر و الجهاز العصبي اللاإرادي؛ خلل أو فجوات وظيفية (Gaps) في جهاز الإلغاء الشعوري (الفلتر العصبي) يؤدي إلى إحساس مفرط بكل ما يدور في الجسم من وظائف طبيعية زي النبض و التنفس و حركة الأمعاء داخل البطن و شد العضلات ؛ و كلها أحاسيس يستحيل ترجمتها إلى تغيرات تظهر في الاشاعات أو التحاليل أو المناظير.
و عشان كده المريض ده بعد كل زيارة لكل طبيب في جميع فروع الطب على مدى سنوات طويلة الزيارة بتنتهي دايماً بابتسامه عريضة من الطبيب يليها عبارة ( كل فحوصاتك سليمة .. إنت ما عندكش حاجة .. روح اكشف أمراض نفسية)
المريض بيكون عايش لسنوات في معاناة لا يعلم مداها إلا الله و مع ذلك دايماً يقول ( ماحدش فاهمني .. ماحدش قادر يستوعب شكوتي .. أقسم بالله أنا مش مريض نفسي)
و أحيانا ً بيوصل الأمر إلى نوايا حقيقية في أن ينهي المريض حياته بنفسه .. ده طبعا ً بعد ما يكون المريض خد لفة حلوة عند الدجالين و المشعوذين بعد ما تأكد من عجز الطب عن الوصول لمشكلته أو حتى يلاقي حد يفهم شكوته.
اختبارات العصب الحائر زي الهولتر و المنضدة المائلة بتدي صورة جزئية عن دور اضطرابات العصب الحائر ( اللي هو جزء من الجهاز العصبي اللاإرادي) في حدوث خلل في نبض القلب و ضغط الدم ؛ و من كده بنقدر نستنتج وجود خلل عام في وظائف الجهاز العصبي اللاإرادي المتحكم في أجزاء أخرى من الجسم لا يتم تنظيم وظائفها من خلال العصب الحائر لوحده.
العلاج مش زي ما كنا فاكرين زمان هو ١٠ نقط ميدودرين على نص كوباية ماية لو حصل هبوط أو الضغط وطي و لا هو قرص الاندرال ١٠ صبح و ليل لمدة أسبوعين و هتبقى زي الفل.
العلاج في غاية الصعوبة و التعقيد و يعتمد على إعادة ترميم الفجوات الوظيفية في جهاز الإلغاء الشعوري ( الفلتر العصبي) من خلال تحسين وظائف النواقل الكيميائية العصبية في الجهاز العصبي زي الاسيتيل كولين و السيروتونين و الدوبامين و النورأدرينالين عشان نقدر نعزل المخ عن استقبال وابل الاشارات العصبية اللي المفروض في الطبيعي ما توصلوش و لا يحس بيها و بالتالي يتفرغ لاستقبال الإشارات العصبية من أجهزة الجسم فقط في حالة وجود خلل فيها و يتفرغ أيضاً للتعامل و التفاعل مع المؤثرات الخارجية في البيئة المحيطة به.
أنا عارف إن الموضوع معقد و صعب بس أرجو أكون وصلت لكم المعلومة بشكل بسيط
د محمد هيكل