17/07/2023
إدمان الحب
هل يمكن أن يتحول الحب إلى إدمان ؟ .. بمعنى أن يستغرق الإنسان تماما ليلا ونهارا ولا يستطيع الفكاك منه أو السيطرة عليه , ويببع في سبيله كيانه وكرامته وحتى إنسانيته ؟! .. هل تتحول كلمة الحب الجميلة الرقيقة الراقية إلى قيد حديدي أو إلى زنزانة ضيقة يغلقها على نفسه الشخص (رجلا أو امرأة) ثم يرمي المفتاح بعيدا في مكان لا يصل إليه بعد ذلك ؟ . قد تكون عزيزي القارئ أو عزيزتي القارئة أحد ضحايا إدمان الحب دون أن تدري , وقد تفكر أو تفكري أنكما في قمة الحب بينما أنت أو أنت في قاع العبودية العاطفية !! .
فعلى الرغم من أن الحب الناضج يمثل قمة الحرية والإختيار للإنسان حيث يتوجه بكل كيانه إلى حبيبه الذي اختاره بنفسه ولم يفرضه عليه أحد , ويظل يحبه رغم أي ظروف يتعرض لها , ولا يملك أحد أن يوقف هذه المشاعر أو يحولها غير الشخص ذاته , إلا أن إدمان الحب غير ذلك تماما إذ يتحول الحب إلى قوة قهرية تذل صاحبها وتلغي إرادته وخياراته المنطقية وتجعله يتصرف بشكل مدمر لذاته دون أن يدري .
ولكم عانى قيس ليلى وعانى جميل بثينه وعانى روميو جولييت وعانى أنطونيو كليوباترا ... كلهم عانوا ... وكلهن عانين ... تلك المعاناة اللذيذة المؤلمة التي تشبه إلى حد كبير معاناة ولذة إدمان العقاقير والمخدرات . ولم يكن أحد ينتبه لتلك الطبيعة الإدمانية في بعض تجارب الحب العنيفة فكانوا قديما يصفون ذلك النوع من الحب بالجنون وذلك لفرط غرابته ولا منطقيته واندفاعه وتهوره وتجاوزه لكل الحدود المعروفة لدى البشر , إلى أن جاء ساندور رادو (عالم نفس كبير) وأطلق مفهوم إدمان الحب عام 1928م . وفي عام 1976 م نشأت مجموعات مدمني الحب والجنس المجهولين (S*x and love addicts anonymous) على غرار مجموعات المدمنين المجهولين في عالم المخدرات , وهذه المجموعات تستخدم مايسمى بالخطوات الإثنى عشر في رحلة التعافي من الإدمان وتقوم على فكرة المساعدة الذاتية من المدمنين السابقين الذين تعافوا من الإدمان .
كيف يحدث إدمان الحب :
يوجد لدى الإنسان غريزة فطرية مدعومة بتركيبات هرمونية تدفعه للإنجذاب نحو الجنس الآخر , وهذا أمر شائع بين الناس جميعا وهدفه هو بقاء النوع واستمراره . الشئ المختلف هنا في إدمان الحب أنه يحدث تنامي شديد للمشاعر في وقت قصير وبشكل غير منطقي (وأحيانا منطقي من ناحية المحب فقط) , ويتبع ذلك إدراك المحبوب كشئ مثالي جدا ولا يوجد له نظير , وهذا يجعله في منزلة مقدسة تدفع المحب إلى التورط في عبادة محبوبه (أو ما يشبه العبادة) , والعبادة هنا بمعنى الإخلاص المطلق والتفرغ الكامل والولاء الكلي للمحبوب وعدم القدرة على رؤية سواه والإستعداد للتضحية بأي شئ وكل شئ في سبيله .
وهنا يصبح الشخص في حالة ارتباط أعمى بمحبوبه ولا يستطيع التفكير بمنطقية أو بموضوعية في حالته , ويسقط على محبوبه كل أوهامه وتخيلاته , ويعتقد أنه الشخص الوحيد في الكون القادر على أن يمنحه السعادة وأن الدنيا بدونه لا تساوي شيئا . وإذا أراد أحد أن ينبه ذلك المحب العاشق المتيم الولهان لخطورة حالته فإنه لا يستطيع تقبل أو إدراك ذلك فهو في حالة إنكار لذيذ لكل عواقب هذا الحب الجارف وفي حالة تبرير لكل أخطاء المحبوب وعلى استعداد للدفاع عنه ومناصرته بحق أو بغير حق . وهنا نصل إلى ما يسمى ب"الحب الإدماني" أو "الحب الأعمى" , وهذا ما ينتج عنه كل السلوكيات المضطربة والمعاناة .
وربما يقول قائل : أليست هذه الأشياء موجودة في الحب عموما ؟ .. وأنها ليست قاصرة على إدمان الحب ؟ ... أليس كل الحب أعمى ؟ ... وهل يوجد حب منطقي عقلاني ؟ ... أليس الحب عموما نشاط وجداني لا يخضع للمنطق أو الحسابات ؟ ... كل هذه تساؤلات منطقية مهمة , فالحب فعلا – حتى في حالاته – المتوازنة به بعض من هذه الأشياء , ولكنه في حالة كونه ناضجا ومتوازنا يحفظ للطرفين كرامتهما وإنسانيتهما وحرياتهما ويحافظ عل نموهما ورقيهما النفسي والإجتماعي والروحي ويرعى تفرد كل منهما بحيث لا يذوب أحدهما في الآخر ذوبانا يلغيه , ويحافظ على علاقات أخرى مهمة كالعلاقة بالله والعلاقة بالأهل والأصدقاء والعلاقة بالعمل ... الخ . وفي الحب الناضج يشعر كل إنسان بكيانه ويقترب ويبتعد من محبوبه بشكل تناوبي لا يلغي معالم أي منهما . أما في إدمان الحب فتوجد علامة هامة وفارقة وهي أن الشخص الواقع فيه لا يشعر بالقيمة أو بمعنى الحياة إلا في وجود حبيبه , فهو بدونه لا شئ , وفي حالة غيابه ينهار تماما ولا يستطيع أن يكمل حياته كأي مدمن لا يستطيع مواصلة الحياة دون تعاطي المخدر الذي اعتاده وأدمنه .
الجوع العاطفي :
ومدمن الحب ربما فشل في إقامة علاقة صحية بأحد الوالدين أو كليهما في طفولته المبكرة لذلك تنشأ لديه رغبة محمومة في الإرتباط الإعتمادي بآخر للدرجة التي تنسحق فيها إنسانيته , ويفقد القدرة على العلاقة السوية التي تتميز بالأخذ والعطاء وتتميز بالحرية والإختيار.
فقد يكون مدمن الحب قد عانى إهمالا أو نبذا , أو يكون على الناحية الأخرى قد تعود على إشباع اعتمادي زائد من أحد الوالدين وهو يريد أن يستكمل ذلك في علاقة حب جديدة بنفس المواصفات القديمة خاصة لو كان قد فقد (حقيقة أو مجازا) مصدر الحب الأبوي أو الأمومي الزائد . وسواء كان الأصل حرمانا زائدا أو إشباعا زائدا ثم مفقودا فإن النتيجة هي حالة من الإحتياج الكامن والمتوحش , والذي يخرج في مرحلة ما من مراحل العمر ليتوجه نحو شخص ما ويعتمد عليه في العناية به وحمايته وحل مشكلاته .
وبما أن الأمر يتعلق بتركيبة نفسية مبكرة لذلك قد تفشل كل المحاولات لتنبيه المتورط في حالة إدمان الحب أو تغيير وجهته إذ يكون مدفوعا بقوة داخلية هائلة لا يستطيع التحكم فيها بالوسائل العادية .
طبيعة الحب الإدماني :
والحب الإدماني قد يبو دراميا صاخبا ساخنا , ولكنه في الحقيقة سطحي جدا , وملئ بالمشاعر المتناقضة ومشحون بالمعاناة والألم وتدهور أحوال الطرفين . وفي الحب الإدماني قد لا نجد أي علامات توافق نفسي أو اجتماعي أو روحي بين الطرفين , بل على العكس نجد عوامل اختلاف شديدة وتناقضات هائلة بينهما مما يؤدي إلى