24/07/2026
فوجئت كغيري من أبناء هذا الصرح العريق بالقرار الصادم والمبهم المتمثل في تطبيق ما يُسمى بنظام "البكالوريا" على الثانوية الأزهرية.
وهو قرار يدفعنا للتساؤل بكل مرارة: من المسؤول خلف الكواليس عن هذه الاندفاعات غير المدروسة؟ ومن الذي يملك رفاهية المقامرة بهوية الأزهر التعليمية من أجل "لقطة إعلامية" عابرة وضجيج "شو" لا يسمن ولا يغني من جوع؟!
يعكس هذا القرار حالة من العقدة والدونية التعليمية، لدى بعض صُناع القرار في المشيخة، الذين يلهثون وراء محاكاة التعليم العام دون أدنى اعتبار لخصوصية الأزهر التراثية والتربوية.
بدلاً من الاعتزاز بالذات وتطوير المنهج الأزهري من داخله بما يناسب هيبته، نرى تسرعاً في استيراد قوالب جاهزة لم تثبت نجاحها أصلاً.
نظام البكالوريا في التربية والتعليم ما زال جنيناً مشوهاً قيد التجربة والاختبار، تتقاذفه الأمواج ولم يثبت جدواه بعد، فلماذا يتبرع مسؤول أزهري بنقل تجربة "مُعاملية" هشة إلى بيئة تعليمية ذات طبيعة شديدة الحساسية والتركيب؟
دعونا نُفكك هذه الكارثة التنظيمية بمقارنة بسيطة:
1. الخلل التراكمي: الطالب الأزهري يواجه تاريخياً تلالاً من المواد الشرعية (فقه، تفسير، حديث، توحيد) والعربية (نحو، صرف، بلاغة، أدب) فهل يعتقد هؤلاء "المنظرون" أن اختزال المواد الثقافية في مسوخ وتجارب مشوهة مثل "العلوم المتكاملة" هو الحل؟
2. التسطيح المعرفي المتبادل: هذا الدمج لن يخفف العبء، بل سيصنع جيلاً ممسوخاً؛ "مُسطحاً" في العلوم التكنولوجية والحديثة لأنه يدرس قشور القشور، وفي المقابل "مهزوزاً" في العلوم الشرعية لأن وقته تشتت بين ترقيع المناهج.
3. أزمة البنية التحتية: عن أي "برمجة وحاسب آلي" تتحدثون في معاهدنا الأزهرية بالقرى والنجوع، وهي التي لا تجد أحياناً مقعداً سليماً أو سبورة صالحة؟ إنها فجوة سيكولوجية مرعبة بين خيال القاعات المكيفة في قطاع المعاهد، وواقع المعاناة النكراء للطلاب والمدرسين على الأرض.
يا فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، إلى متى تترك أبناءك وبناتك في المعاهد والجامعة، والإدارات التابعة لكم "فئران تجارب" لقرارات ارتجالية؟
فالتعليم الأزهري ليس حقلاً لتجارب الصدمة التي تفقد الطالب توازنه النفسي والذهني، وليس ساحة لتطبيق أفكار "مستوردة" لم تُدرس عواقبها المقارنة بعناية.
حماية الهوية الأزهرية هي فرض عين، وإنقاذ الطلاب من التشتت النفسي والمعرفي بين مطرقة التراث وسندان "البكالوريا الهجين" هو مسؤوليتكم التاريخية أمام الله والتاريخ.
أوقفوا هذا العبث.. الأزهر صرحٌ يُطوَّر بالعمق، لا بالتقليد الأعمى!