07/07/2026
الفصام العقلي: تمزق الإدراك والهلوسات في العالم الذهاني
يُمثل الفصام العقلي (Schizophrenia) أحد أكثر الاضطرابات الذهانية تعقيداً، إذ يمس البنية الهيكلية للوعي الإنساني، محولاً إدراك الفرد للواقع إلى شظايا متناثرة. لا يقتصر هذا الاضطراب على تقلبات مزاجية عابرة، بل يتجاوز ذلك ليمس جوهر العمليات المعرفية، مما يخلق فجوة بين المريض ومحيطه الاجتماعي.
تاريخياً، قوبلت التمظهرات الذهانية بتفسيرات ميتافيزيقية متباينة، إلا أن التطور الإبستمولوجي للطب النفسي أطّر هذه الحالة ضمن "النموذج الطبي" (Medical Model)، الذي يتعامل مع الفصام بوصفه خللاً عضوياً وكيميائياً يتطلب تدخلاً علاجياً منهجياً. يرتكز هذا الفهم على تحليل البنية الإدراكية للمريض ومراقبة التحولات الطارئة على سلوكه ولغته.
تتبلور الأعراض الإكلينيكية للفصام في مسارين متمايزين؛ مسار إيجابي يتمثل في إضافة عناصر مشوهة للواقع، ومسار سلبي يتمثل في انسحاب الوظائف الطبيعية. تتجسد الأعراض الإيجابية في "الهلوسات" (Hallucinations)، وغالباً ما تكون سمعية، حيث يسمع المريض أصواتاً تأمره أو تنتقده في غياب أي مثير خارجي، إضافة إلى "الضلالات" (Delusions)، وهي اعتقادات راسخة لا تقبل الدحض المنطقي، كضلالات العظمة أو الاضطهاد. في المقابل، تبرز الأعراض السلبية في التبلد الانفعالي، والانعزال الاجتماعي، والافتقار إلى الدافعية، مما قد يحيل الفرد إلى حالة من الجمود الملحوظ.
لتفسير هذا التمزق الإدراكي، تتجه التفسيرات البيولوجية نحو "نظرية الدوبامين"، والتي تفترض أن فرط نشاط الناقل العصبي الدوبامين في مسارات دماغية محددة يرتبط بالهلوسات والضلالات، في حين يلعب السيروتونين والنورأدرينالين أدواراً تكميلية في نشوء الأعراض. من جهة أخرى، تشير الدراسات التشريحية المتقدمة إلى وجود تضخم في تجاويف الدماغ (البطينات) لدى بعض مرضى الفصام، مما قد يعكس ضموراً في الأنسجة العصبية المحيطة.
وتمتد العوامل المسببة للفصام لتشمل الاستعداد الوراثي، إذ أشارت دراسات التوائم (Gottesman & Shields, 1972) إلى أن نسبة التوافق في الإصابة بين التوائم المتماثلة تصل إلى 42%، مقارنة بـ9% للتوائم غير المتماثلة، وهو ما يدعم فرضية وجود مكوّن وراثي في الاستعداد للمرض.
وفي سياق تفسير جذور الفصام، يبرز تباين منهجي بين مقاربتين رئيستين. فبينما يُركّز النموذج الطبي البيولوجي على أولوية الخلل الكيميائي والجيني، كزيادة الدوبامين والتغيرات البنيوية في الدماغ، طرح جريجوري بيتسون (Bateson, 1956) مقاربة اجتماعية معرفية تُعرف بنظرية "الرابطة المزدوجة" (Double Bind). يرى بيتسون أن الفصام قد ينشأ كاستجابة تكيفية لبيئة تواصلية مضطربة، حيث يتعرض الطفل لرسائل متناقضة من الوالدين لا يمكنه الهروب منها أو تفسيرها بوضوح، مما قد يدفعه إلى الانسحاب نحو عالم ذهاني كآلية لا واعية للتعامل مع هذا التناقض التواصلي.
يظل الفصام العقلي نموذجاً يعكس التقاطع المعقد بين الكيمياء العصبية والبيئة الاجتماعية. ويتطلب فهم هذا الاضطراب تجاوز التفسير البيولوجي المنفرد نحو مقاربة تحتضن تعقيدات التجربة الإنسانية، مما يجعله موضوعاً بحثياً مفتوحاً أمام علوم الدماغ وعلم النفس على حد سواء.
أ.د. محمد عودة الريماوي وآخرون، علم النفس العام، غير مترجم، دار المسيرة للنشر والتوزيع، 2004