07/08/2026
ليه انت منهار الان ؟
ليه غيرك موصلش للانهيار؟
ازاي نحمي نفسنا من الانهيار ؟
هتكون مقالة بعنوان #ماـقبلـالانهيار
في ناس كتير بتفتكر إن الانهيار بيحصل في لحظة... لحظة بيبكي فيها الإنسان، أو يقرر يسيب شغله، أو ينهي علاقة، أو يقفل بابه على نفسه. لكن الحقيقة إن الانهيار نادرًا ما يبدأ من اللحظة اللي الناس بتشوفها.
الانهيار الحقيقي بيبدأ قبلها بوقت طويل... يوم ما الإنسان يبتدي يتنازل عن جزء صغير من مقاومته، ومن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل كل استسلام معناه انهيار؟ ولا فيه استسلام ينقذ الإنسان بدل ما يهدمه؟
اتصور (و الله اعلم) إن الاستسلام في حد ذاته مش عدو. بالعكس، فيه نوع من الاستسلام يعتبر من أعلى درجات الحكمة. لما تستسلم لحقيقة إن الماضي مش هيرجع... فأنت بتبدأ تتعافى. لما تستسلم لفكرة انك مريض وتقرر تبدأ العلاج بدل الإنكار , لما تستسلم لقدر الله بعد ما تبذل كل اللي تقدر عليه و تسلمها لله فأنت بتحمى نفسك و بتمدها بالسلامً الداخلى.
المشكلة مش في كلمة استسلام... المشكلة استسلام لإيه؟ هل استسلام لواقع لا يمكن تغييره؟ ولا استسلام لخوف لا يمكن مواجهته؟ و لا استسلام لحقيقة؟ ولا استسلام لوهم؟
وعشان كده، العلاقة بين الاستسلام والانهيار مش علاقة مباشرة. الاستسلام الإيجابي بيحررك... لكن الاستسلام السلبي هو البوابة لأول خطوة في طريق الانهيار. لأن الإنسان لما بيبطل يحاول، مش بيوقف المشكلة... هو بيوقف نفسه عن محاولة التعامل مع المشكلة. ومع الوقت، بتبدأ الحياة تقفل في وشه، والثقة تضعف فى نفسه، والقدرة على المواجهة تقل، لحد ما يكتشف إنه مش وقع فجأة... هو كان بينزل درجة درجة، من غير ما يحس.
وده اللي حاول يفسره عالم النفس الأمريكي مارتن سيليجمان في واحدة من أشهر تجارب علم النفس، المعروفة بتجربة "العجز المتعلم". التجربة أظهرت إن الكائن الحي لما يتعرض لمحاولات فشل متكررة ويقتنع إن مفيش فايدة من المقاومة، بيكف عن المحاولة حتى لما بيكون باب النجاة مفتوح امامه. لان المشكلة مش بتكون في قوة القيود... لكن في اقتناع العقل إن المقاومة لا قيمة لها. ودي أخطر لحظة ممكن يوصل لها الإنسان، لأن السجن ساعتها بيكون جوه دماغه، مش حواليه.
بس فى سؤال مهم .. لو الضغط هو السبب، ليه بنشوف ناس شايلة جبال فوق راسها ولسه واقفة، وناس تانية شايلة حبيبات رمل و منهارة؟ لأن اللي بيحدد قدرتنا على الصمود مش حجم الضغط وحده، لكن معنى الضغط، وطريقة تفسيرنا ليه، والخبرات اللي عدينا بيها، والدعم اللي حوالينا، والمرونة النفسية اللي اتبنت جوانا عبر السنين. اتنين ممكن يعيشوا نفس الأزمة... واحد يشوفها نهاية الطريق، والتاني يشوفها أصعب محطة في الطريق. و التالت يشوفها بداية الطريق .. الفرق مش في الحدث... الفرق في البناء النفسي و الفكرى للي بيستقبل الحدث.
ولو بصيت لأي انهيار نفسي كبير، هتلاقي إنه كان بيسيب علامات قبل ما يحصل. أول علامة إن الإنسان يفقد رغبته في المحاولة، مش لأنه كسلان، لكن لأنه بدأ يقتنع إن المحاولة مش هتفرق. بعدها يبتدي ينسحب من الناس ومن الحاجات اللي كان بيحبها. ثم يختفي الأمل تدريجيًا، ويحل محله شعور ثقيل إن بكرة نسخة من امبارح. بعدها يبدأ يبرر استسلامه بمنطق يبدو مقنعًا (لنفسه) "أنا واقعي... و مفيش فايدة." وأخيرًا، يفقد الإحساس بنفسه، فيبقى موجود بجسمه، لكن روحه غابت من زمان. دي مش علامات ضعف.. دي إنذارات مبكرة، لو انتبهنا لها ممكن نمنع الانهيار قبل حدوثه.
قصة الطبيب النفسي فيكتور فرانكل تعبر بشكل كبير عن فكرة المقاومة . الرجل فقد والديه وزوجته وأخاه داخل معسكرات الاعتقال النازية، وعاش ظروفًا يعجز العقل عن تخيلها. ومع ذلك خرج من هناك بفكرة غيّرت علم النفس كله. كان بيقول إن الإنسان قد يُسلب منه كل شيء .. إلا حريته في أن يختار موقفه مما يحدث له. لم يكن ينكر الألم، لكنه كان يؤمن أن وجود معنى للحياة يجعل الإنسان قادرًا على احتمال ما كان يظنه مستحيلًا. لذلك، لم يكن أقوى من غيره جسدًا، لكنه كان يحمل شيئًا حافظ على روحه من الانهيار... المعنى (و انصحك بشدة تقرا كتاب الانسان يبحث عن معني).
ومن هنا نفهم إن الانهيار لا يحدث فجأة. هو رحلة صامتة. بتبدا بفكرة، ثم يتحول إلى شعور، ثم إلى انسحاب، ثم إلى استسلام، ثم يأتي اليوم الذي يظن فيه المحيطين أن الإنسان انهار فجأة، بينما الحقيقة أنه كان ييستغيث منذ شهور، لكن أحدًا لم ينتبه... وربما هو نفسه لم ينتبه.
فكيف السبيل الى حماية أنفسنا قبل الوصول إلى هذه المرحلة؟
#أولًا، لا تؤجل طلب المساعدة حتى تصبح عاجزًا عن طلبها.
#ثانيًا، لا تفسر التعب على أنه فشل، فكل إنسان يحتاج إلى راحة قبل أن يحتاج إلى إنقاذ.
#ثالثًا، لا تجعل الفشل صفتك، فهو يصف تجربة مررت بها لا الشخص الذي أنت عليه.
#رابعًا، تمسك بالأشخاص الذين يذكرونك بنفسك عندما تنساها.
#خامسا، ابحث دائمًا عن معنى لما تمر به لأن الإنسان قد يحتمل الألم الذي له معني لكنه يصعب عليه احتمال الألم الذي لا يرى له معنى.
وفي النهاية... أخطر ما في الانهيار أنه لا يطرق الباب قبل أن يدخل. لكنه يترك إشارات كثيرة لمن يريد أن يراها. لذلك، لا تخف من أن تتعب... فكلنا نتعب. ولا تخف من أن تبكي... فكلنا نبكي. لكن خف من اللحظة التي تقنع فيها نفسك أن المحاولة لم تعد تستحق. لأن معظم الناس لا يهزمهم الألم... وإنما يهزمهم الاستسلام له. وما قبل الانهيار، ليس الانهيار نفسه... بل القرار الصامت الذي يتوقف فيه الإنسان عن مقاومة ما كان يستطيع يومًا أن يتجاوزه.
كل التحية الى هؤلاء الذين يرون ان الانهيار رفاية .. متاحة لغيرنا لا لنا
سلام