05/06/2026
أهداني مريضٌ بالذهان عودَ ريحان..
ولم يكن يدري أنه منحني معه درسًا لن أنساه..
نحن بارعون في رؤية ما انكسر في الناس.. لكننا أقل براعةً في رؤية ما بقي سليمًا بداخلهم.
حين يُذكر الذهان..
ينصرف الذهن مباشرةً إلى الهلاوس والضلالات والاضطراب..
ينسى الكثيرون أن المرض مهما اشتد لا يختصر الإنسان كله.. فالتشخيص يصف معاناةً.. لكنه لا يصف الروح.
ذلك الرجل الذي يواجه عالمًا لا يبدو له كما يبدو لنا..
والذي قد يقضي أيامه في صراعٍ مرهق مع أفكاره ومخاوفه..
لم يكن اليوم طالبًا شيئًا.. بمجرد ما ألقيت عليه السلام.. وتصافحنا.. أرد أن يعبر عن امتنانه بشيئ كان كل ما يملكه..
عودَ ريحانٍ بسيط..
لكنه كان محمّلًا بمعنى عظيم: ما زلت أستطيع أن أعطي.
وربما هذه هي أكثر المآسي قسوةً التي يتعرض لها المرضى النفسيون.. ليس المرض نفسه فقط.. بل أن يُنظر إليهم دائمًا باعتبارهم محتاجين.. ناقصين.. عاجزين..
بينما يغفل الناس عن أنهم ما زالوا قادرين على الحب.. والامتنان.. والوفاء.. والكرم.
المعاناة لا تجعل الإنسان شريرًا كما يتصور البعض.. بل كثيرًا ما تجعله أكثر إحساسًا بالألم الإنساني.. من عرف الانكسار جيدًا.. يعرف كيف يكون رقيقًا مع الآخرين.
لذلك لم أرَ في عود الريحان نباتًا أخضر فحسب، بل رأيت إنسانًا يحاول أن يقول بطريقته الخاصة: "لا تنظروا إلى مرضي فقط.. ما زال هناك إنسان هنا".
وكم من البشر ضاعت إنسانيتهم رغم سلامة عقولهم، وكم من المرضى حافظوا على إنسانيتهم رغم كل ما عانوه.
من السهل أن نتعاطف مع المريض حين نراه متألمًا، لكن الامتحان الحقيقي هو أن نحترمه كإنسان كامل، لا كتشخيصٍ يسير على قدمين.
أما عود الريحان، فقد يذبل بعد أيام.
لكن المعنى الذي حمله بقي أخضر.
د. علاء مكرم خروب