15/08/2026
المصري في الغربة.. حين يتحول الخلاف بين الأفراد إلى إساءة لوطن كامل
عشت وعملت في الخليج ستة عشر عامًا، ورأيت عن قرب جوانب كثيرة مشرقة في شخصية المصري؛ مهارته، وقدرته على التكيف، وخفة ظله، وحرصه على العمل، وقدرته على بناء علاقات طيبة مع مختلف الشعوب.
لكنني رأيت أيضًا سلوكيات مؤلمة من بعض المصريين، تستحق أن نتوقف أمامها بشجاعة، لا بقصد التشهير بأحد، وإنما خوفًا على سمعة المصريين ومصالحهم.
من أكثر ما يؤلم أن تجد مصريًا يشي بزميله المصري عند صاحب العمل، أو يسعى لإبعاده، وكأن نجاحه الشخصي لا يتحقق إلا بسقوط أخيه. والأكثر إيلامًا أن يتحول بعض الناس إلى النفاق المبالغ فيه مع صاحب العمل، بينما يتعاملون مع زملائهم المصريين بمنطق المنافسة والعداء.
وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: هل المشكلة في الغيرة؟ أم في ضعف الثقة بالنفس؟ أم في غياب ثقافة "نحن" عندما نكون خارج الوطن؟
هناك أيضًا خطأ آخر لا يقل خطورة: أن يعمل بعض المصريين سنوات في بلد ما، ثم يعود إلى مصر فيبدأ في السخرية من شعب ذلك البلد، وانتقاد عاداته وثقافته والتطاول عليه عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
قد يظن صاحب هذا الكلام أنه عاد إلى وطنه وأصبح حرًا في التعبير عن رأيه، لكنه ينسى أن آلاف المصريين ما زالوا يعيشون ويعملون هناك.
كلمة واحدة غير مسؤولة على "فيسبوك" قد تصل إلى شخص هناك، وقد تُفهم باعتبارها إهانة لشعب كامل، بينما الذي سيدفع الثمن في النهاية قد يكون مصريًا بسيطًا يبحث عن رزقه.
نحن لا نطالب أحدًا بأن يحب كل شيء في البلد الذي يعمل فيه، ولا أن يسكت عن الظلم أو الخطأ. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين النقد المحترم وبين إهانة الشعوب، وبين الاختلاف مع سياسة أو سلوك وبين احتقار أمة بأكملها.
والأخطر من ذلك أن بعض المصريين يحملون معهم إلى الغربة عقلية المنافسة الداخلية نفسها التي اعتادوا عليها في وطنهم، فيصبح المصري خصمًا للمصري، بدلًا من أن يكون سندًا له.
وهذا خطأ استراتيجي قبل أن يكون خطأ أخلاقيًا.
المصري العامل بالخارج ليس مجرد فرد يبحث عن راتبه؛ إنه، شاء أم أبى، جزء من صورة مصر في الخارج.
وسمعة المصريين ليست ملكًا لشخص واحد. كل تصرف فردي قد يترك أثرًا على الآخرين، تمامًا كما أن نجاح مصري محترم قد يفتح الباب لمصريين آخرين.
لذلك، نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة تقول للمصري في الغربة:
لا تحارب أخاك المصري لتثبت أنك أفضل منه.
لا تستخدم الوشاية وسيلة للصعود.
لا تنافق صاحب العمل، بل احترمه واحفظ حقوقك وحقوق زملائك بكرامة.
لا تحتقر أبناء الشعوب التي تستضيفك؛ فأنت ضيف بينهم، واحترامك لهم لا ينتقص من مصريتك.
ولا تنسَ أن خلفك آلاف المصريين الذين يعيشون ويعملون في هذا البلد، وقد يتحملون نتائج كلمة قلتها أنت بلا حساب.
الوطنية ليست فقط أن تحب مصر وأنت داخلها؛ الوطنية الحقيقية أن تحافظ على مصالحها وسمعة أبنائها أينما كنت.
وقد نختلف في السياسة، وفي الاقتصاد، وفي كل شيء تقريبًا، لكن هناك مصالح عليا لا ينبغي أن نختلف عليها: كرامة المصري، وسمعة مصر، ومصالح المصريين العاملين في الخارج.
لقد رأيت في الغربة مصريين كانوا سفراء حقيقيين لبلدهم، أحبهم الناس واحترموهم ووثقوا بهم، حتى أصبحوا نموذجًا مشرفًا لمصر.
ورأيت آخرين، للأسف، يهدمون بأفعالهم ما يبنيه غيرهم بسنوات.
فليت كل مصري في الغربة يسأل نفسه قبل أن يتصرف:
هل ما أفعله اليوم سيجعل الناس يحبون المصري أكثر، أم سيجعل مصريًا آخر يدفع ثمن ما فعلت؟
هذه ليست دعوة للمجاملة، ولا للتستر على الخطأ، ولا للتنازل عن الحقوق.
إنها دعوة إلى شيء أبسط وأعمق:
أن نختلف بشرف، ونتنافس بنزاهة، وننتقد باحترام، ونحفظ لبعضنا ظهورنا.
فالغربة صعبة، ورزق الإنسان ليس ميدانًا للحروب الصغيرة.
وإذا كان المصريون في الخارج يمثلون جزءًا مهمًا من قوة مصر الناعمة والاقتصادية، فإن الحفاظ على صورتهم ومصالحهم ليس مجاملة لأحد، بل هو في النهاية احترام لمصر نفسها.
مجدي شاهين