14/05/2026
خطبة الجمعة - مسجد مصعب بن عمير - جكجكا
📝 العبد الفقير أ.د. عبد الكريم علي رفلي
أَيَّامُ العَشْرِ ذِي الحِجَّةِ عَلَى الأَبْوَابِ
الخطبة الأولى
الحَمْدُ للهِ الَّذِي فَضَّلَ الأَمَاكِنَ وَالأَزْمِنَةَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ}، {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ}، {وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ}، {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ}، وَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ}. ثُمَّ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ، آلِهِ وَصَحْبِهِ، مَا اتَّصَلَتْ عَيْنٌ بِنَظَرٍ أَوْ سَمِعَتْ أُذُنٌ بِخَبَرٍ.
أَمَّا بَعْدُ: أَيُّهَا المُسْلِمُونَ، اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}.
مَعَاشِرَ المُؤْمِنِينَ، هَا نَحْنُ عَلَى أَبْوَابِ أَيَّامِ العَشْرِ المُبَارَكَاتِ الَّتِي أَقْسَمَ اللهُ تَعَالَى لِشَرَفِهَا وَفَضْلِهَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}. وَاللَّيَالِي العَشْرُ المُرَادُ بِهَا عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ المُفَسِّرِينَ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهَا مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ» يَعْنِي أَيَّامَ العَشْرِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ قَالَ: «وَلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ».
أَيُّهَا الأَحِبَّةُ فِي اللهِ، هَذِهِ الأَيَّامُ هِيَ أَفْضَلُ أَيَّامِ الدُّنْيَا، وَفِيهَا يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ النَّحْرِ، فَحَرِيٌّ بِالمُسْلِمِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي العِبَادَةِ مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ، وَالذِّكْرِ، وَالصَّدَقَاتِ، وَالصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، وَصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَغَيْرِهَا.
وَمِمَّا يَحْسُنُ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ : أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ الأَعْمَالَ فِي هَذَا العَشْرِ مَقْصُورَةٌ عَلَى بَعْضِ الأَعْمَالِ دُونَ بَعْضِهَا فَقَطْ، وَلَيْسَ الأَمْرُ كَذَلِكَ.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِمَا مِنَ الآيَاتِ الحَكِيمَةِ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالقَادِرُ عَلَيْهِ.
---
الخطبة الثانية
---
الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا مَزِيدًا.
أَمَّا بَعْدُ: عِبَادَ اللهِ، اتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَأَطِيعُوهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَجْسَادَنَا عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى.
أَخِي المُسْلِمُ، هَلْ تَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ حَالُ سَلَفِنَا الصَّالِحِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ؟ كَانَ سَلَفُنَا الصَّالِحُ يُعَظِّمُونَ وَيَجْتَهِدُونَ فِي هَذَا العَشْرِ غَايَةَ الِاجْتِهَادِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ يُقَالُ فِي أَيَّامِ العَشْرِ: بِكُلِّ يَوْمٍ أَلْفُ يَوْمٍ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ بِعَشَرَةِ آلَافِ يَوْمٍ» يَعْنِي فِي الفَضْلِ.
وَرُوِيَ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: «بَلَغَنِي أَنَّ العَمَلَ فِي يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ العَشْرِ كَقَدْرِ غَزْوَةٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، يُصَامُ نَهَارُهَا وَيُحْرَسُ لَيْلُهَا، إِلَّا أَنْ يُخْتَصَّ امْرُؤٌ بِالشَّهَادَةِ».
وَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: كَانُوا يُعَظِّمُونَ ثَلَاثَ عَشَرَاتٍ: العَشْرَ الأَوَّلَ مِنَ المُحَرَّمِ، وَالعَشْرَ الأَوَّلَ مِنْ ذِي الحِجَّةِ، وَالعَشْرَ الأَخِيرَ مِنْ رَمَضَانَ.
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ الدَّارِمِيُّ أَنَّ الإِمَامَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَانَ "إِذَا دَخَلَتْ أَيَّامُ العَشْرِ اجْتَهَدَ اجْتِهَادًا شَدِيدًا حَتَّى مَا يَكَادُ يُقْدَرُ عَلَيْهِ".
هَذَا، فَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ المُرْسَلِينَ، وَقَائِدِ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، فَقَدْ أَمَرَكُمْ رَبُّكُمْ حِينَ قَالَ: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ فِي الأَوَّلِينَ، وَصَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ فِي الآخِرِينَ، وَصَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ فِي المَلَإِ الأَعْلَى، وَصَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَحِينٍ، وَصَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، سَادَاتِنَا أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِرَحْمَتِكَ وَجُودِكَ وَكَرَمِكَ، يَا أَكْرَمَ الأَكْرَمِينَ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ المُوَحِّدِينَ. اللَّهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، يَا رَبَّ العَالَمِينَ. اللَّهُمَّ انْصُرِ المُسْلِمِينَ المُسْتَضْعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَاخْذُلْ عَدُوَّكَ وَعَدُوَّهُمْ، يَا قَوِيُّ يَا مَتِينُ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَ إِخْوَانِنَا وَأَهْلِنَا فِي الصُّومَالِ، اللَّهُمَّ أَبْعِدْ عَنْهُمُ الْفِتَنَ وَالْحُرُوبَ وَالْقَبَلِيَّةَ يَا لَطِيفُ يَا كَرِيمُ
اللَّهُمَّ احْفَظْ أَهْلَ السُّودَانِ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ، اللَّهُمَّ أَبْعِدْ عَنْهُمُ الفِتَنَ وَالحُرُوبَ، يَا رَبَّ العَالَمِينَ. وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
📝 أ. د. عبد الكريم علي رفلي