29/08/2026
https://www.facebook.com/share/p/1GpK7F1QpL/
لاحظ محرر صحيفة في موسكو شيئًا غريبًا في أحد صحفييه: كان يذهب إلى الاجتماعات ويعود منها من دون أن يدوّن كلمة واحدة! وعندما سأله المحرر عن السبب، بدا الصحفي سولومون شيريشيفسكي مندهشًا من السؤال نفسه؛ فقد كان يعتقد أن جميع الناس يتذكرون التعليمات والتفاصيل حرفيًا كما يفعل هو. عندها أرسله المحرر إلى عالم النفس ألكسندر لوريا، الذي أصبح لاحقًا أحد مؤسسي علم النفس العصبي الحديث، ليبدأ مع شيريشيفسكي دراسة استثنائية استمرت نحو 30 عامًا بدأً من عشرينيات القرن الماضي.
بدأ لوريا باختباره بكل الطرق التي تخطر على البال، لكنه عجز عن العثور على حدود لذاكرته. أعطاه قوائم تضم 70 كلمة، وجداول من 50 رقمًا، وسلاسل طويلة من مقاطع صوتية بلا معنى، بل وحتى نصوصًا بلغات لا يعرفها… فكان يعيدها كاملة، بالترتيب وبالعكس. والأغرب أن لوريا عاد إليه بعد سنوات، وأحيانًا بعد 15 عامًا، ومن دون أي تحذير مسبق، ليطلب منه تكرار المعلومات نفسها… فكان شيريشيفسكي يستحضرها من ذاكرته وكأنه قرأها قبل دقائق!
لكن سر هذه الذاكرة الخارقة كان أغرب من قدرتها نفسها؛ فقد كان يعاني من شكل شديد للغاية من الحسّ المرافق، حيث تختلط حواسه بصورة غير عادية. الكلمة لم تكن مجرد كلمة بالنسبة إليه، بل قد تتحول إلى لون وطعم وملمس ووزن وصوت في اللحظة نفسها. كان الصوت يمكن أن يكون له لون ومذاق، بل كان يصف صوتًا معينًا بأنه «متفتت وأصفر»! كما كان يستخدم طريقة ذهنية لحفظ المعلومات، فيتخيل الأشياء موزعة على طول شارع في موسكو ثم يسير فيه داخل عقله ليستعيدها واحدة تلو الأخرى.
والمفارقة المر*عبة أن هذه الذاكرة التي تبدو كأنها نعمة، تحولت إلى عبء لا يستطيع الهر*وب منه. كان يجد القراءة صعبة لأن كل كلمة تشـ*ـعل سلسلة هائلة من الروابط الحسية التي تطغى على معناها. وحتى الوجوه كانت مشكلة؛ إذ كان الوجه الواحد يتغير قليلًا في كل مرة يراه، فيحتفظ بكل نسخة منه ولا يعرف أيها الوجه الحقيقي. قضى سنوات يحاول أن يتعلم كيف ينسى، حتى إنه كان يكتب المعلومات على الورق على أمل أن تتحرر ذاكرته منها، بل أحر*ق الأوراق في إحدى المرات. وفي النهاية عمل كمحترف في استعراضات الذاكرة، بينما خلّد لوريا قصته في كتاب «عقل صاحب الذاكرة الخارقة»، وهو كتاب قصير لكنه يُعد من أغرب الكتب في تاريخ علم النفس، لأنه يحكي عن رجل لم تكن مشكلته أنه ينسى… بل أنه لم يكن يعرف كيف يفعل ذلك أصلًا.
الحمد لله على نعمة النسيان.