29/08/2026
ابتسم للحياة, لا للكاميرا!
أضحكني أحد الأصدقاء وهو يشكو لي، وكان حديثنا عن وسائل التواصل الاجتماعي. قال لي إنه لا يستطيع أن يأخذ صورة مع أهله أو أصحابه إلا وهو عابس، وحين يحاول أن يبتسم متعمداً أمام الكاميرا يبدو غبياً بعض الشيء!
قلت له, بعض الشيء؟! ربما المشكلة ليست في وجهك، وإنما في أنك تحاول أن تصنع ابتسامة لا تعيشها حقيقة!
متطفل ثالث بيننا قال دكتور قله قديش عضلة بنحتاج حتى نبتسم وقديش حتى نعبس؟ وكأننا لا نستطيع أن نترك الابتسامة وشأنها, حتى أدخلنا فيها الحسابات والرياضيات والاقتصاد! فكنا نسمع قديماً -و ننقل أحياناً- أن الابتسامة تحتاج إلى 17 عضلة، بينما العبوس يحتاج إلى 43 عضلة، وكأن الابتسامة صفقة اقتصادية رابحة وهذا طبعاً غير دقيق علمياً!
فالعدد يختلف بحسب نوع التعبير والعضلات التي نحسبها. لكن الفكرة طريفة أن الابتسامة كحركات أسهل من العبوس مثل الاستغفار و الذكر أوفر من الصمت ولكن هذا لا يعني شيئاً في الحقيقة فقد تبتسم في وجه شخص وأن تقصد السخرية أو الاستهزاء أو غيره!
في علم تعبيرات الوجه هناك ما يسمى ابتسامة دوشين Duchenne smile وهي الابتسامة التي لا تشترك فيها عضلات الفم فقط، بل تظهر فيها أيضاً حركة العضلات المحيطة بالعينين. ويمكن للإنسان أن يتحكم ببعض هذه العضلات، لكن ليس من السهل دائماً أن يجعل عينيه تبدوان سعيدتين بمجرد أن يأمر فمه بالابتسام.
وربما لهذا تبدو لنا الصور القديمة أجمل حيث لم يكن أحد يقول كل مرة
((ابتسموا من فضلكم للكاميرا!)) أو ((تشيييز أو جميييد)) أو غيرها من العبارات المفيدة لتحريك بعض العضلات في الوجه !! لكنها في رأيي هذه أكثر العبارات التي أفسدت الصور لأنك حين تطلب من الإنسان أن يصنع ابتسامة في اللحظة نفسها التي تريد فيها أن توثق شعوره، يتحول من شخص يعيش اللحظة إلى شخص يفكر في شكله.
وهذه مفارقة كبيرة من مفارقات هذا الزمان ..
نحاول أن نبدو سعداء أكثر من بحثنا عن السعادة،
وأن نبدو ناجحين أكثر من بذل الجهد لنكون ناجحين،
وأن نبدو واثقين أكثر من بناء الثقة الحقيقية،
وأن نبدو أغنياء أكثر من بناء غنى حقيقي.
وأننا متعلمون و مثقفون أكثر من قضاء أوقات في القراءة و التعلم و هكذاً .... أو مناضلون حول أنفسنا أكثر من كوننا حول المصالح العامة!!
بل إذا ذهبت إلى المشهد الأكبر تجد صناعة كامل في الابتسامة, حيث الصورة تجارة كبيرة من Hollywood smile إلى صناعة الفلاتر والصور المصقولة وحياة تبدو مثالية أمام الآخرين في الوقت التي تأتي الأخبار عن كثر منهم انه مدمن على المهدئات و علاجات الاكتئاب و كثير منهم قد يصل بهم الأمر إلى فكرة الانتحار..
إذا الصورة لا تخبرنا بالحقيقة بل أحياناً تخفي عكسها, فقد ترى ابتسامة جميلة على الشاشة، ولا تعرف شيئاً عن القلب الذي خلفها فالإنسان قد يبتسم وهو سعيد، أو محرج، أو متوتر، أو مجامل، أو لمجرد التواصل.
أما الابتسامة في الهدي النبوي فهي أكثر من مجرد حركة عضلية ((كان صلى الله عليه و سلم يُرى طلق الوجه، كثير التبسم)) وأمر اصحابه ((تبسمك في وجه أخيك لك صدقة)) ((أعظم الاعمال سرور تدخله على قلب مسلم)) بل سأله احد أصحابه (اويضحك ربنا, قال بلى فقال لن نعدم الخير من رب يضحك) وقد حفظ القرآن الكريم تبسُّم النبي سليمان عليه السلام، وهو الذي شغله ملكٌ عظيم، فتوقّف عند قول نملة (﴿فتبسم ضاحكاً من قولها)﴾ ابتسامة عفوية أعقبها شكرٌ في القلب ﴿ربي أوزعني أن أشكر نعمتك﴾.
إذاً لا تنشغل يا صديقي كثيراً بأن تبدو مبتسماً أمام الكاميرا, ابحث عما يجعلك سعيدا أو يجعل غيرك كذلك وسيهتم وجهك وعضلاته الرائعة بالباقي.
محمد حسان الذنيبات