22/07/2026
💡 علاج الوسواس القهري..
د. عاطف القاسم/ أخصائي نفسي اكلنيكي
يعد العلاج المعرفي السلوكي القائم على الاستدلال (Inference-Based CBT أو I-CBT) من أحدث الاتجاهات في علاج اضطراب الوسواس القهري، وقد طوّره كل من Kieron O’Connor وزملاؤه. وهو يختلف عن العلاج التقليدي (ERP) في نقطة جوهرية، وهي أنه لا يرى أن القلق هو نقطة البداية، بل يرى أن الشك الوسواسي هو البداية، والقلق يأتي نتيجة له.
الفكرة الأساسية:
يرى I-CBT أن مريض الوسواس القهري لا يعاني من مشكلة في إدراك الواقع، بل في طريقة الاستدلال ، فالإنسان الطبيعي يعتمد على ما تراه عيناه، وما تسمعه أذناه، وما تؤكده حواسه ، أما مريض الوسواس فينتقل من الواقع إلى الاحتمال، فيصبح تفكيره على النحو التالي:
“صحيح أنني رأيت الواقع… لكن ماذا لو كان الواقع خادعًا؟”
وهنا يبدأ الوسواس ، مثال (قفل الباب)
الواقع:
* أغلقت باب المنزل.
* سمعت صوت القفل.
* رأيت الباب مغلقًا.
* سحبت المقبض فتأكدت أنه مقفل.
حتى هذه اللحظة لا توجد مشكلة ، ثم يحدث التحول الوسواسي:
“لكن… ماذا لو كنت أتوهم أنني أغلقته؟”
لاحظ أن هذه الفكرة ليست مبنية على دليل جديد، وإنما على احتمال خيالي.
في هذه اللحظة ترك الشخص الواقع، وأصبح يستدل بالخيال.
ماذا يسمي I-CBT هذه اللحظة؟
يسميها: الارتباك الاستدلالي (Inferential Confusion)
أي أن الشخص يخلط بين:
* ما يعرفه يقينًا.
* وما يتخيله احتمالًا.
ثم يمنح الاحتمال قوةً أكبر من الحقيقة.
⸻
مثال آخر (وسواس إيذاء الطفل):
أب يحب ابنه حبًا شديدًا ، وفجأة تخطر له فكرة:
“ربما أؤذي ابني.”
الشخص الطبيعي يقول: “إنها مجرد فكرة.”
أما مريض الوسواس فيقول:
“إذا جاءتني هذه الفكرة، فربما تعني أنني شخص خطير.”
ثم يبدأ العقل في بناء قصة كاملة:
* ربما أفقد السيطرة.
* ربما أفعلها دون قصد.
* ربما أخدع نفسي عندما أظن أنني أب صالح.
اسأل نفسك: هل يوجد دليل واحد على ذلك؟
الإجابة: لا.
كل ما حدث أن العقل انتقل من:
“أنا أب حنون.” إلى “ماذا لو كنت لست كذلك؟”
أي انتقل من الواقع إلى الاحتمال.
كيف يعالج I-CBT ذلك؟
بدلاً من أن يقول المعالج للمريض:
“تحمل القلق.” يسأله:
* أين تركت الواقع؟
* ما الدليل الذي جعلك تنتقل من الحقيقة إلى الاحتمال؟
* هل لديك معلومة جديدة أم مجرد قصة افتراضية؟
* هل تعتمد على حواسك أم على خيالك؟
ثم يساعده على العودة إلى الأدلة الحسية والوقائع.
هل I-CBT بديل عن ERP؟
حتى الآن، لا تشير الأدلة إلى أنه بديل كامل. فالعلاج بالتعرض ومنع الاستجابة (ERP) ما يزال العلاج النفسي الأكثر دعمًا بالأدلة لاضطراب الوسواس القهري. لكن الدراسات الحديثة أظهرت أن I-CBT يحقق نتائج واعدة، خاصة لدى المرضى الذين يرفضون التعرض أو يجدون صعوبة في تطبيقه، كما أن دمج I-CBT مع ERP قد يمنح نتائج أفضل لدى بعض الحالات.
الخلاصة:
ان تكنيك التعرض ومنع الاستجابة ERP يركز على ما تفعله بعد ظهور الوسواس (منع الطقوس وتحمل القلق).
* بينما يركز العلاج المعرفي السلوكي القائم على الاستدلال I-CBT على كيف بدأ الوسواس أصلًا (الانتقال من الواقع إلى الاحتمال).
ولهذا يصف بعض الباحثين I-CBT بأنه لا يعالج القلق مباشرة، وإنما يعالج الخلل في الاستدلال الذي يولّد الشك الوسواسي، فإذا صحّ الاستدلال، خفّ الشك، وانخفض القلق تبعًا لذلك.