20/06/2026
آليات الدفاع النفسي عند آنا فرويد
يُشير مفهوم آليات الدفاع في علم التحليل النفسي إلى الاستراتيجيات اللاشعورية التي يستخدمها العقل البشري لحماية نفسه من القلق والتوتر الناجمين عن الأفكار أو الدوافع غير المقبولة. تعود الجذور الفكرية لهذا المفهوم إلى سيغموند فرويد، غير أن ابنته المحللة النفسية "آنا فرويد" هي من قامت بتنظيم وتوسيع هذا الإطار المفاهيمي بشكل منهجي دقيق. في عام 1936، نشرت كتابها الرائد "الأنا وآليات الدفاع"، والذي أسس لانعطافة معرفية هامة داخل مدرسة التحليل النفسي؛ حيث نقلت التركيز من دراسة "الهو" (الغرائز المظلمة) إلى دراسة "الأنا" (الجزء العقلاني والواعي من الشخصية) لفهم كيف تحافظ على توازنها وتماسكها أمام الصراعات النفسية.
ينطلق السياق النظري لآليات الدفاع عند آنا فرويد من تصنيف سيغموند فرويد للقلق إلى ثلاثة أنواع أساسية، وهي المحركات التي تستدعي تدخل الأنا للحماية. يتمثل النوع الأول في "القلق الواقعي"، وهو الخوف الموضوعي من تهديد خارجي ملموس. النوع الثاني هو "القلق العصابي"، وينشأ نتيجة الخوف اللاشعوري من فقدان السيطرة على دوافع "الهو" الغرائزية مما قد يعرض الفرد للعقاب. أما النوع الثالث فهو "القلق الأخلاقي"، ويتولد من انتهاك الفرد لقيمه ومبادئه الأخلاقية، مما يؤدي إلى صراع مع "الأنا العليا" والشعور بالخزي أو الذنب.
للتخفيف من وطأة هذه الأنواع من القلق، تزعم آنا فرويد أن العقل البشري يضطر للجوء إلى مجموعة من "آليات الدفاع". وتعرّف هذه الآليات بأنها عمليات نفسية تعمل بطريقة لاشعورية لـ "تشويه الحقيقة" وتعديل الواقع بحيث يصبح قابلاً للاحتمال. إحدى أبرز هذه الآليات هي "الإنكار"، وتتمثل في رفض الإقرار بحدوث واقعة مؤلمة أو محددة، كما يبرز "الإسقاط" كآلية شائعة حيث يعمد الفرد إلى التخلص من مشاعره أو صفاته المزعجة وإلصاقها بشخص آخر، فيبدو كأن ذلك الشخص هو من يحمل تلك المشاعر بدلاً منه.
ومن الآليات المعرفية التي رصدتها آنا فرويد نجد "التفكير المجرد"، وهو التركيز المفرط على الجانب المنطقي البارد للموقف لتجنب التعاطي مع جزئه العاطفي المؤلم. كما تصنف "التبرير" كحيلة يخلق بها الفرد مبررات محتملة ومزيفة لسلوكه تجنباً لمواجهة السبب الحقيقي الذي يثير في نفسه شعوراً بعدم الارتياح. وتطرح النظرية آلية "الإزاحة" التي تقوم على إخراج المشاعر والإحباطات المكبوتة وتوجيهها نحو شخص آخر يمثل تهديداً أقل، كبديل عن مصدر التهديد الفعلي.
تعتبر آنا فرويد أن استخدام آليات الدفاع ليس مرضياً بحد ذاته، بل هو ضرورة حتمية للحفاظ على التوازن النفسي. فآلية مثل "التسامي" – التي تعني تحويل الدوافع غير المقبولة إلى أنشطة مقبولة اجتماعياً كتحويل الغضب إلى ممارسة الرياضة – تُعتبر علامة على النضج النفسي السوي. بيد أن الإشكالية تبرز عندما يفرط الفرد في الاعتماد على الآليات المشوهة للواقع (كالإنكار والإسقاط)، مما يمنعه من مواجهة مشكلاته الحقيقية ويقوده نحو الانفصال التدريجي عن الواقع والوقوع في شرك العصاب.
الدكتورة رحاب اللحام # اخصائية نفسية # علاج سلوكي معرفي # ارشاد زواجي # مهارات والدية #ارشاد مراهقين واطفال