20/06/2026
كلمتي خلال حفل تكريم أطباء زحلة.
نلتقي اليوم في ظل ظروف استثنائية وحرب مدمرة تسلب يوميًا أجزاء من جنوبنا الحبيب وتسقط شهداء وجرحى، بحيث يتساءل الزملاء ما اذا كان توقيت هذا التكريم مناسبًا. في الحقيقة أن الوقت مناسب لأن الأوطان والشعوب بحاجة إلى هولاء الجنود بالزيّ الابيض في أوقات الحرب والضيق والأزمات أكثر بكثير من أوقات السلم والوفرة والنعيم.
هذه المناسبة تعيدني بالذاكرة إلى ثمانينيات القرن الماضي حيث كنت شخصيًا تلميذ في كليات الطب الفرنسية وكنت امضي عطلة الصيف بين أهلي في زحلة وفي أروقة مستشفى تل شيحا ومستشفى المعلقة الحكومي أنذاك. فتدربت على أيدي هولاء الأطباء الذي نكرمهم اليوم وتعلمت منهم الكثير من علاجات وتقنيات جراحية وكيفية التعامل مع المريض وعائلته وصولًا إلى أدبيات وأخلاقيات هذه المهنة الشريفة وانا على يقين بأنهمّ من زرعوا في نفسي حينها حب الشأن العام الذي قادني إلى مركز نقيب أطباء لبنان الذي تشرفت أن اتبوءه وأدافع عن حقوق زملائي في اصعب الظروف وأدق المراحل.
أعود إلى زحلة دار السلام مدينة الشعر ومدينة الكنائس ومدينة التذوق ومدينة النبيذ فهولاء الجنود بالزي الأبيض يزيدون اليوم لقبٌ عليك يا زحلة تستحقينه فعلًا بجهود هولاء الأبطال مدينة العلم والطب.
هولاء الأبطال يستحقون التكريم، لأن بالرغم من كل التحديات التي واجهوها بدأً من الحرب الأهلية التي اندلعت سنة ١٩٧٥ وحرب السنتين وحصار زحلة سنة ١٩٨١ والحروب والصراعات المتتالية وصولًا إلى الإنهيار المالي سنة ٢٠١٩ وانفجار المرفأ والحروب الإسرائيلية المتعددة والمستمرة على لبنان، لم يفكر واحدًا منهم بأية لحظة أن يحزم حقيبته ويغادر أهله ومدينته ومجتمعه لا بل على العكس تمامًا ثابروا وصبروا وفاءً لمدينتهم زحلة.
هولاء الأبطال يستحقون التكريم، لأن بعد إنتهائهم من دراساتهم العليا لم ينغروا بالمجتمعات الغربية وما تقدمه من رفاهية ومن خدمات اجتماعية كما إنه لم تجذبهم العاصمة بيروت فبقوا أوفياء لمدينتهم زحلة ولبقاعها فعادوا مع امتعتهم المليئة بالمعرفة والتقنيات العلاجية فوزعوها وما زالوا على كل مريض ليتعافى من اوجاعه.
هولاء الأبطال يستحقون التكريم، لأنهم سخّروا وقتهم وصرفوا من اموالهم متنقلين من مؤتمر بحثي إلى ندوة علمية يكتسبون التقنيات الحديثة وينقلوها إلى المجتمع الزحلي والبقاعي فهم اللذين رفعوا مستوى الطب في زحلة وحدثوه ولهم الفضل الأكبر إلى تحويل المدينة إلى مجّمع طبي مع اربع مستشفيات تتكامل لخدمة المواطن والمريض.
واللائحة تطول، أخرًا وليس أخيرًا، هولاء الأبطال يستحقون التكريم، لأن مسيرتهم المهنية مسيرة مشرفة اصبحت مثالًا نموذجيًا لكل طالب في كليات الطب من أصول زحلية وهم كُثر يقتدون بها وبات حلمهم الوحيد العودة إلى زحلة وإكمال المسيرة.
إسمحوا لي بهذه اللفتة من القلب إلى الدكتور انطوان ابو سليمان والبروفسور انطوان غصين، اللذين انتقلوا إلى ديار الحق، عمالقة الجراحة ليس فقط في زحلة لا بل في الشرق الأوسط. أقول لهم استريحوا بسلام لأن روحكم ما زالت في قلوبنا وفي قلب كل مريض كرستوا كل جهودكم لإعطائه الحياة.
بالنهاية الزحليون والبقاعيون ينحنون أمام رسالتكم وتكرموا بوجودكم خلال خمسة عقود كما يتكرمون مرة جديدة من خلال تكريمكم. أعطاكم الله ولعائلاتكم اضعاف ما قدمتموه لزحلة وبقاعها خلال مسيرتكم الإنسانية.