20/08/2026
من أساتذتنا الذين لا يغيبون عن الذاكرة… الأستاذ الدكتور محمد الدوفاني
لا أكتب اليوم في ذكرى وفاة، ولا لمناسبة بعينها، وإنما هي لحظة وفاء وحنين إلى واحد من أساتذتنا الذين تركوا فينا أثراً لا تمحوه السنوات؛ المرحوم الأستاذ الدكتور محمد أحمد عمر الدوفاني، أستاذ طب الأطفال بجامعة الفاتح في طرابلس.
والحقيقة أن معرفتي بالدكتور الدوفاني سبقت دخولي إلى كلية الطب بسنوات طويلة.
فمن ذكريات طفولتي أنني كنت أشاهده على شاشة التلفزيون الليبي في بعض البرامج التثقيفية التي تتناول صحة الأطفال ورعايتهم. كان واحداً من الأطباء الذين عرفنا وجوههم ونحن صغاراً من خلال البرامج الصحية والتوعوية في الإعلام الليبي. ولم يكن يخطر ببالي وأنا طفل أشاهده يتحدث عن صحة الأطفال أن يأتي يوم أجلس فيه طالباً في كلية الطب وأتلقى العلم على يديه.
ومرت السنوات… ودخلنا كلية الطب بجامعة الفاتح، وإذا بذلك الطبيب الذي كنت أراه على شاشة التلفزيون وأنا صغير يصبح واحداً من أساتذتي.
وهذه من الذكريات التي كلما مرت بخاطري أعادتني إلى زمن جميل من العمر.
عرفنا الدكتور الدوفاني أستاذاً لا يكل ولا يمل من التعليم. كان يعمل كثيراً، ويكدّ، ويتابع، ويحرص على أن يتعلم الطالب وأن يرتفع مستوى التدريب في تخصص طب الأطفال. لم يكن التعليم عنده مجرد محاضرة يؤديها وتنتهي مهمته بانتهائها، بل كان واضحاً لمن عرفه أن التعليم بالنسبة إليه رسالة ومسؤولية وأمانة.
ولم يكن دوره معنا مقتصراً على إلقاء المحاضرات النظرية فحسب؛ فقد كان أيضاً من أساتذتنا في التعليم والتدريب السريري , نلتقي به في الجانب العملي من دراسة طب الأطفال، حيث ينتقل العلم من صفحات الكتب ومدرجات الكلية إلى سرير المريض.
كان يعلّمنا كيف نأخذ التاريخ المرضي للطفل، وكيف نفحصه، وكيف نربط العلامات والأعراض بما تعلمناه نظرياً، وكيف نفكر في التشخيص والتشخيص التفريقي، وكيف يتحول الطالب تدريجياً من حافظ للمعلومة إلى طبيب يعرف كيف يوظفها أمام المريض.
وكان كذلك ممتحناً لنا في طب الأطفال، ولذلك عرفناه في أكثر من موقع: محاضراً في القاعة، وأستاذاً في التدريب السريري، وممتحناً يقيّم ما تعلمناه.
وهذه، في رأيي، من أجمل صور الأستاذ في كلية الطب؛ فأستاذ الطب الحقيقي لا يعطيك المعلومة فقط، وإنما يأخذ بيدك حتى تعرف كيف تستخدمها في الممارسة السريرية، ثم يختبر قدرتك على تطبيقها بأمان ومسؤولية.
وكان إلى جانب علمه صاحب خلق، حسن المعاشرة، محترماً في تعامله مع طلبته وزملائه. وهذه ليست شهادة أقولها أنا وحدي؛ فما زلت أسمع كثيراً من الأطباء والأساتذة الذين عرفوه أو تتلمذوا على يديه يذكرونه بكل خير، ولعل أطباء الأطفال بصفة خاصة أقدر الناس على الحديث عن حجم عطائه وأثره في هذا التخصص في ليبيا.
ومن الأمور التي بقيت مرتبطة في ذاكرتنا بسيرته أيضاً تنقله المستمر بين طرابلس وزليتن.
كانت له أعماله ومسؤولياته في طرابلس، وفي الوقت نفسه كان مرتبطاً بزليتن، يعالج الأطفال فيها ويخدم أهلها، ثم يعود إلى طرابلس لمواصلة عمله وتعليمه وعلاج مرضاه. وظل لسنوات طويلة يتنقل بين المدينتين، يحمل علمه وخبرته معه أينما ذهب.
ولعل هذه الجزئية البسيطة في ظاهرها تقول الكثير عن الرجل.
فالانتقال المتكرر بين مدينتين، مع مسؤوليات الجامعة والتدريس والتدريب السريري والمرضى والامتحانات والعمل الطبي، ليس أمراً هيناً. لكنه كان من ذلك الجيل الذي لم يكن يقيس العطاء بعدد ساعات الدوام، بل بما يستطيع أن يقدمه للناس وللطلبة وللمهنة.
في طرابلس أستاذاً وطبيباً، وفي زليتن طبيباً يعالج أطفالها، وبين المدينتين سنوات طويلة من العمل والسفر والعطاء.
وامتد نشاطه العلمي إلى خارج نطاق التدريس الجامعي؛ فكانت له مكانة في المجلس العربي للاختصاصات الصحية، وتولى مسؤوليات في امتحانات الاختصاص في طب الأطفال، وانتُخب سنة 2018 مقرراً للجنة الامتحانات لاختصاص طب الأطفال في المجلس العلمي العربي، ممثلاً عن ليبيا.
ولعل من عرفه ممتحناً لنا ونحن طلبة يدرك أن اهتمامه بالامتحانات والتقييم لم يكن أمراً طارئاً في مسيرته، وإنما كان جزءاً من اهتمامه بالتعليم الطبي وقياس مستوى المتدربين، حتى وصل إلى تحمل مسؤولية الامتحانات على مستوى الاختصاص العربي.
وهذه المسؤولية في حد ذاتها تقول الكثير عن الرجل؛ فالامتحانات التخصصية العليا ليست مجرد أوراق وأسئلة، وإنما مسؤولية عن مستوى أجيال من الأطباء وعن المعايير التي تحدد من يستحق أن يحمل شهادة الاختصاص.
وظل الدكتور الدوفاني يعطي ويعلّم ويدرّب ويمتحن ويعالج ويخدم تخصصه حتى رحل عن دنيانا في 2 مايو 2021.
وكان رحيله مؤلماً لتلاميذه وزملائه ومحبيه، لكن الجميل أن المؤسسات العلمية التي عمل معها لم تنسَ ما قدمه؛ فبعد وفاته حملت دورة استثنائية لامتحان الزمالة العربية في طب الأطفال في طرابلس اسم المرحوم الأستاذ الدكتور محمد أحمد الدوفاني، كما كُرّم بعد رحيله بوسام شرف تقديراً لعطائه ومسيرته.
واليوم، وبعد أكثر من خمس سنوات على رحيله، خطر ببالي أستاذنا فاشتقت إلى تلك الأيام… وإلى ذلك الزمن… وإلى مدرجات كلية الطب، وإلى التدريب السريري في المستشفى، وإلى الامتحانات التي كنا نهابها، وإلى أساتذة وقفوا أمامنا سنوات طويلة يعطوننا من علمهم وخبرتهم، وربما لم نكن ونحن طلبة ندرك تماماً قيمة ما كانوا يقدمونه لنا.
فالطالب وهو في العشرين من عمره قد يرى المحاضرة مجرد محاضرة، والتدريب السريري مجرد تدريب يجب أن يحضره، والامتحان مجرد عقبة يريد أن يجتازها، والأستاذ شخصاً يقف أمامه لبضع ساعات.
لكن بعد ثلاثين سنة أو أكثر، عندما يمضي بك العمر في ممارسة الطب، تفهم الأمر بطريقة مختلفة تماماً.
تكتشف أن معلومة سمعتها من أستاذك منذ عقود ما زالت معك، وأن طريقة فحص تعلمتها منه ما زالت يداك تطبقانها، وأن طريقة في التفكير السريري اكتسبتها منه أصبحت جزءاً من ممارستك، وأن بعض الكلمات والمواقف والوجوه بقيت في الذاكرة رغم أنك نسيت آلاف التفاصيل الأخرى.
عندها فقط ندرك قيمة الأستاذ.
والأجمل في مهنة التعليم أن الإنسان يستطيع أن يرحل ويبقى شيء منه حياً في الدنيا.
الدكتور الدوفاني علّم أطباء، وهؤلاء الأطباء عالجوا آلاف الأطفال، وبعضهم أصبح أستاذاً فعلّم أطباء آخرين، وهؤلاء بدورهم سيعلمون من يأتي بعدهم.
وهكذا يمتد أثر الأستاذ إلى أجيال ربما لم تلتقِ به ولم تره قط.
ولذلك كلما تذكرت أساتذتنا الذين رحلوا أستحضر قول رسول الله ﷺ:
«إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
وأي أثر أجمل للأستاذ والطبيب من علم يُنتفع به يبقى جارياً بين تلاميذه ومن جاء بعدهم؟
رحم الله أستاذنا الأستاذ الدكتور محمد أحمد عمر الدوفاني رحمة واسعة، وغفر له، وأكرم نزله، ووسع مدخله، وجزاه عنا وعن كل طالب علّمه، وعن كل طبيب أسهم في تكوينه، وعن كل طفل عالجه في طرابلس أو زليتن، وعن كل طفل انتفع بعلمه بصورة مباشرة أو غير مباشرة خير الجزاء.
اللهم اجعل كل طريق قطعه بين طرابلس وزليتن، وكل ساعة قضاها في تعليم طالب، وكل تدريب سريري أشرف عليه، وكل طبيب درّبه، وكل مريض فحصه وعالجه، وكل معلومة نقلها، وكل خير ترتب على علمه وعمله، في ميزان حسناته.
رحمك الله يا أستاذنا…
عرفناك صغاراً من شاشة التلفزيون، ثم شاء الله أن نعرفك طلاباً من مقاعد كلية الطب، عرفناك في قاعات المحاضرات، وفي التدريب السريري، وأمامنا ممتحناً ومعلماً، ثم مضت بنا الحياة وأصبحنا أطباء، وبقيت أنت واحداً من الوجوه والأسماء التي لا تغادر الذاكرة.
لن ننساك ما حيينا، ولن ننسى فضل من علّمونا.
رحم الله الدكتور محمد الدوفاني، ورحم جميع أساتذتنا الذين سبقونا إلى دار الحق، وحفظ الله من بقي منهم، وجزاهم جميعاً عنا خير الجزاء.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
طلبا وليس امرا الدعاء والفاتحة في هذي الليلة المباركة
ملاحظة هذا المنشور شاركته من صفحة دكتور تتلمذ ع يد دكتورنا واستاذي الغايب الحاضر دائما وابدا بروفيسور طب الاطفال د.محمد.الدوفاني له الشكر مني ع كل حرف وكلمة وسطر دكره فيه بخير ....