21/07/2026
للصمت وجوه لا يراها إلا القلب
ليس كل صامت قد فرغ من الكلام، ولا كل متكلم قد قال ما في قلبه.
ثمة صمت يولد من السكينة، يهبط على النفس كما يهبط المساء على بحر هادئ، فلا يزيدها إلا اتساعا. وثمة صمت آخر، يتسلل إلى الإنسان رويدا رويدا، حتى يغدو جدارا يختبئ خلفه الوجع.
نحسب أن الأيام تمضي بما تحمل، غير أن المشاعر التي لا تجد من يصغي إليها لا تمضي؛ إنها تستقر في مكان خفي من الروح، وتغير ملامحها بصمت. قد لا تبكي العين، لكن القلب يتعب. وقد يبتسم الوجه، بينما الداخل يستهلك ما بقي فيه من قوة.
ولعل أكثر ما يرهق الإنسان أنه يقضي عمره يحاول أن يكون كما ينتظره الآخرون، وينسى أن يسأل نفسه مرة واحدة: كيف أصبحت أنا؟
إن النفس لا تطلب منا الكمال، وإنما تطلب ألا نهجرها طويلا. فهي، كالأرض، إن أهملت جفت، وإن أحسن إليها أزهرت من جديد.
وحين يثقل الصمت في صدرك، فلا تسارع إلى الهرب منه، ولا تغرقه بضجيج الحياة. اجلس إليه كما يجلس المرء إلى صديق قديم عاد بعد غياب، واسأله برفق: أي جزء مني ظل ينتظر أن ألتفت إليه؟
ربما لن يأتي الجواب في تلك اللحظة، لكن مجرد الإصغاء بداية الشفاء. فما يشفى أولا ليس الجرح، بل الإنسان الذي كف أخيرا عن الفرار منه.