الدكتور محمد الخواجا - طبيب نفسي

الدكتور محمد الخواجا - طبيب نفسي د. محمد الخواجا | طبيب نفسي
أرافقك في طريق فهم النفس، وتحريرها من الألم، لتستعيد كرامتها وتجد معناها.
🌿 عيادات "جنّتي" للطب والرفاه النفسي 🌿
معنا لحياتك معنى.

الدكتور محمد الخواجا
طبيب أمراض نفسية وادمان

البورد العربي في الطب النفسي - مستشفى الملك عبدالله المؤسس الجامعي.
الاختصاص العالي في الطب النفسي - جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية.
بكالوريوس طب وجراحة - جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية.
محاضر في كلية الطب -الجامعة العربية الأمريكية.
عضو ممتحن لدى المجلس الطبي الفلسطيني.
استشاري الطب النفسي في مستشفى المقاصد - القدس.
مستشار سابق لدى الهيئة الطبية الدولية.

العيادة في رام الله
0569808088

22/05/2026

عن طيورٍ لم تكن، وعن مرضى يصلون متأخّرين

من يعرفني، يعرف أنّي لا أنجرّ خلف التريندات. الصمت غالبًا أنفع.

لكنّ ضحايا “نظام الطيّبات” بدأوا يصلون. إلى عيادتي، وإلى عيادات زملائي في كلّ تخصّص. مرضى تركوا أدويتهم، أوقفوا علاجاتهم، استبدلوا الطبّ بمنشوراتٍ على الإنترنت، ووصلوا متأخّرين. بعضهم كان يمكن، ببساطة، تجنّب ما حدث له.

وفي بلدٍ مثل بلدنا، كأنّنا ينقصنا حِمل.

لذلك أكتب. ليس متابعةً للضجّة، بل من حاجة، ومن استغراب، ومن تعبٍ صادق.

اجلس. خذ نفسًا. القصّة طويلة قليلًا، لكنّها تستحقّ الصبر .

في عام 2017، في ولاية أركنساس الأمريكيّة، كان شابٌّ في العشرين من عمره اسمه بيتر ماكيندو (Peter McIndoe) يمرّ بالصدفة وسط مسيرة سياسيّة.

ومن باب الملل والدعابة الارتجاليّة، أمسك بقطعة كرتون فارغة، وكتب عليها عبارةً عشوائيّة، خرجت من رأسه دون تفكير:

“الطيور غير حقيقيّة”

تجمّعت حوله الكاميرات. فقرّر أن يُكمل المزحة. اخترع نظريّةً كاملة، على الهواء، يقول فيها:

“الحكومة الأمريكيّة أبادت كلّ الطيور الحقيقية بين عامَي 1959 و1971، واستبدلتها بطائراتٍ مُسيَرة (Drones) متطوّرة للتجسّس على المواطنين. الطيور تقف على أسلاك الكهرباء لا للراحة، بل لشحن بطاريّاتها. وفضلات الطيور على السيّارات؟ ليست فضلات. هي أجهزة تتبّع سائلة”

كان يضحك في داخله. أراد أن يرى إلى أين تذهب اللعبة.

ذهبت اللعبة بعيدًا جدًا.

انتشرت الحركة في الإنترنت كالنار في الهشيم. وُلدت صفحاتٌ بملايين المتابعين. صنع الشباب لافتاتٍ، وقفوا في الشوارع، نزلوا في مظاهرات. اشتروا تيشيرتات. صار للحركة شعارٌ ومانفستو وفروعٌ في الجامعات.

كان السؤال الواضح: هل يصدّقون فعلًا أنّ الطيور غير حقيقيّة؟

بعضهم نعم. بعضهم بدأ مازحًا ثمّ انجرف. لكنّ المهمّ هو ما حدث بعد ذلك.

في أواخر عام 2021، قرّر بيتر أن ينهي اللعبة.

كانت قد بلغت من النجاح حدًّا أخافه. ملايين الشباب يسيرون وراء فكرةٍ خرجت من رأسه على الرصيف قبل أربع سنوات. فخرج في مقابلة رسميّة مع صحيفة النيويورك تايمز، وبرنامج 60 Minutes الأمريكيّ الشهير، وقال للعالم — بشخصيّته الحقيقية، بصوته الحقيقيّ، أمام الكاميرا:

“كلّ هذا كان كذبة. أنا أؤمن أنّ الطيور حقيقيّة. الحركة كانت مزحةً ساخرة (Parody) أردنا بها أن نُري الناس كيف تنمو نظريّات المؤامرة وتغسل العقول في عصر الإنترنت. أرجوكم، توقّفوا. الطيور حقيقية”

اعتراف. صريح. علنيّ. مُسجَّل. على أكبر منصتَين إعلاميّتين في أمريكا.

ماذا كان ردّ أتباع الحركة؟

هل قالوا: “آه، فهمنا، شكرًا لك يا بيتر، اعتذرنا”؟

لا.

قال بعضهم: “بيتر تعرّض للتهديد من المخابرات الأمريكيّة (CIA). الحكومة هدّدت عائلته بالقتل ليُسكتوه. هذا ليس اعترافًا، هذا ابتزاز”

وقال بعضهم حرفيًّا : “بيتر الذي ظهر في التلفزيون ليس بيتر الحقيقيّ. لقد قتلوه واستبدلوه بنسخة مُستنسَخة (Clone) منه، ليُخرس الحقيقة”

والباقون قالوا: “إنّه ضحيّة. كلّما اعترف، ازداد يقيننا أنّ النظريّة صحيحة”

تأمّل ما حدث.

حتى اعتراف صاحب النظريّة نفسه، بصوته، بوجهه، أمام العالم، لم يستطع أن يهدمها.

لأن الأتباع دون أن يدروا كانوا قد بنوا نظامًا فكريًا مُحصَّنًا من كلّ نقد ممكن. أيّ شيءٍ يحدث، يُفسر داخل النظام ليؤكّده.

سمّى فيلسوف العلوم كارل بوبر (Karl Popper) هذا النوع: نظريّات غير قابلة للتفنيد (Non-falsifiable Theories). وقال إنّها ليست علمًا، مهما تظاهرت. لأنّ النظريّة العلميّة يجب أن يكون لها سيناريو واحد — واحد فقط — لو حدث لانهارت.

نظريّة الجاذبيّة: ارمِ تفّاحة، لو طارت، انهارت النظريّة.
“الطيور غير حقيقيّة”: لا شيء يهدمها. ولا حتى اعتراف مخترعها.

علماء النفس يُسمّونها الأنظمة المعرفيّة المغلقة (Closed Epistemic Systems): غرفٌ مظلمة، أبوابها مُغلقة من الداخل، يدور فيها صاحبها حول نفسه ويُسمّي ذلك يقينًا.

والآن، إلى الأسئلة التي تصلني كلّ يوم:

لو ناظره الأطبّاء وأفحموه سيقال: “أُسكت بضغط الزملاء”
لو لم يناظروه يقال الآن: “لماذا لم يناظروه؟”
هاجموه في حياته “اضطهدوه”
هاجموه بعد موته “جُبنٌ وتشفٍّ”
أيّده طبيب “صادق”
عارضه طبيب “خائفٌ على موقعه أو مأجور”
انتشرت نظريّته “إذن صحيحة”
لم تنتشر بين الأطبّاء “إذن يطبّقونها سرًّا”

أتُلاحظ ما يحدث؟

كلّ شيء يدعم النظريّة. كلّ شيء. حتى نقيضه.

بل — وهنا الأخطر — لو خرج الرجل قبل موته بفيديوٍ يعتذر فيه ويقول “كلّ ما قلتُه كان خطأً، أرجو ألّا يتبعني أحد”، ماذا كان سيقال؟

سيقال— كما قال أتباع بيتر تمامًا — : “لقد ضغطوا عليه. هدّدوه. اشتروه. ربما لم يكن هو”

هذا طيرٌ غير حقيقيّ.

ولا أقول ذلك تهكّمًا. أقوله تشخيصًا.

لا أطلب منك أن تُغيّر رأيك. هذا شأنك.

أطلب منك شيئًا واحدًا، صغيرًا، صعبًا:

ضع لنفسك سيناريو واحدًا — واحدًا فقط — كان سيجعلك تشكّ.

ماذا كان يجب أن يحدث لتقول “ربّما كان مخطئًا”؟

إن وجدتَ جوابًا، أهلًا بك في العلم.

وإن لم تجد — إن كان كلّ شيءٍ يدعم نظريّتك، حتى نقيضها، حتى اعتراف صاحبها — فاعلم أنّك لا تؤمن بطبٍّ بديل.

تؤمن بأنّ الطيور غير حقيقيّة.

21/05/2026

"أنا جرّبتُ، إذن صحيح"

اجلس مرّة أخرى.
يمكن ان تكون قد قرأتَ المنشور السابق، و ربّما صفّقتَ في داخلك. ثمّ ذهبتَ إلى التعليقات، فوجدتَ بعض الردود من نوعٍ واحد:

"أنا جرّبتُ بنفسي. استفدتُ. فما قولُك الآن، يا حضرة الطبيب؟"

وهذه أصعب جملةٍ يُقالُ عليها "لا".
لأنّها صادقة.
الذي يكتبها لا يكذب. هو فعلًا جرّب، وفعلًا شعر بتحسّن، وفعلًا يريد أن يُخبر الناس بما يعرف. هو ليس مُتآمرًا ولا مُتربّحًا. هو فقط… إنسان. والإنسان يثق بحواسّه، لأنّه لا يملك سواها.
والمشكلة بالضبط هنا.

قبل أن أُكمل، تنبيهٌ ضروريّ:
سأذكر بعد قليل ممارسةً طبّيّة قديمة اسمها "الفصد" (Bloodletting / Venesection). هذه ليست الحجامة. الفصد ممارسة غربيّة، أداتها مشرط يفتح وريدًا فيتدفّق الدم حتّى يُغمى على المريض. الحجامة شيءٌ آخر تمامًا، لها سياقها الشرعيّ وأدلّتها وفلسفتها، ولا أتكلّم عنها لا من قريب ولا من بعيد.
اتّفقنا؟ ممتاز. هيّا نُكمِل.

الفصد:
لألفي سنة، آمن الأطبّاء في أوروبا أنّ معظم الأمراض سببها "خلطٌ في الأخلاط الأربعة" (Humoral Theory) وأنّ علاجها هو إخراج الدم. كان الأطبّاء يفصدون الحُمّى، والصداع، والكآبة، والسلّ، والولادة، وحتى الجروح النازفة كانوا يفصدون لها مزيدًا من الدم!
والمذهل: المرضى كانوا يشعرون بتحسّن.
كثيرٌ منهم. ويُخبرون الجيران. والجيران يُخبرون الأطبّاء. والأطبّاء يكتبون في كتبهم: "جرّبنا، فنجح"
ألفي عام، وملايين الشهادات الصادقة. حتى مات جورج واشنطن — أوّل رئيس لأمريكا — في عام 1799 بعد أن أخرج منه أطبّاؤه نحو لترَين ونصف من الدم في أقلّ من نصف يوم، علاجًا لالتهاب حلق.
أتدري ما الذي قتله؟ ليس الالتهاب.

العلاج.

ثمّ جاء القرن التاسع عشر، واخترع البشر شيئًا اسمه "التجربة المضبوطة" (Controlled Trial)، فاكتشفوا أنّ الفصد كان — في معظم الحالات — يقتل أو يُؤذي، لا يشفي.
فما الذي حدث طوال ألفي سنة، إذن؟ ولماذا كان "المُجرِّبون" يُقسمون أنّهم استفادوا؟
أربعة أشباحٍ كانت تعمل في الظلام، ولا تزال تعمل اليوم في كلّ مرّة يقول فيها أحدهم: "أنا جرّبتُ"

الشبح الأوّل: التحسّن التلقائي (Regression to the Mean).
معظم الأمراض تشفى من تلقاء نفسها. الزكام، آلام الظهر، الصداع، اضطرابات المعدة، الكآبة العابرة — كلّها تأتي وتذهب. فإذا جرّبتَ شيئًا قبل أن "تذهب"، نسبتَ الفضل إليه.
المريض يبكي اليوم، يأخذ الوصفة، يتحسّن غدًا، فيقول: "العلاج عبقريّ!"
ولا يخطر بباله السؤال البسيط: ماذا لو لم آخذ شيئًا، هل كنتُ سأتحسّن أيضًا؟
ربّما. بل غالبًا. لكنّ عقلك لا يحبّ هذا الجواب، لأنّه يحرمه من البطل.

الشبح الثاني: البلاسيبو (Placebo Effect).
العقل البشريّ كائنٌ مهذّب: حين تتوقّع منه التحسّن، يُحاول. وحين تُقدّم له شيئًا يُشبه العلاج، يُفرز فعلًا موادّ تُخفّف الألم، وتُحسّن المزاج، وتُغيّر الإحساس بالأعراض.
في تجارب موثّقة، حبّة سكّر تُعطي تحسّنًا في 30-40% من الحالات إذا قيل للمريض إنّها دواء.
وهذا تحسّنٌ حقيقيّ — لا متخيَّل. لكنّه ليس من الدواء، بل من فكرة الدواء.
فإذا قلتَ "جرّبتُ فاستفدتُ"، فأنا أصدّقك. لكن دعني أسألك: استفدتَ من الشيء، أم من توقّعك للاستفادة؟
ولن تعرف الجواب أبدًا، إلّا بتجربةٍ مُعمّاة (Blinded Trial).

الشبح الثالث: الانحياز التأكيدي (Confirmation Bias).
عقلك ليس كاميرا. عقلك مُحرّر صحيفة، يختار ما يُنشر وما يُلقى في السلّة.
حين تجرّب علاجًا وتتحسّن: تتذكّر.
حين تجرّبه ولا يحدث شيء: تنسى، أو تقول "لم أُطبّقه جيّدًا".
حين تجرّبه ويسوء حالك: تقول "كان سيسوء أكثر لولاه".
ثلاث نتائج، تفسيرٌ واحد ثابت: "العلاج ينفع".
هذا ليس بحثًا. هذا محكمةٌ القاضي فيها والمحامي والشاهد شخصٌ واحد، وهو أنت.

الشبح الرابع: انحياز الناجي (Survivorship Bias).
أنت تسمع شهادات الذين نجوا.
لا تسمع شهادات الذين ماتوا. لا الذين تأخّر تشخيصهم لأنّهم اتّبعوا العلاج الشعبيّ. لا الذين فقدوا عضوًا، أو فقدوا طفلًا، أو فقدوا فرصة العلاج الحقيقيّ في وقته.
لأنّ هؤلاء — ببساطة — لا يكتبون تعليقات على الفيسبوك.
الموتى لا يُغرّدون.

استراحة قصيرة: قصّة سيّدةٍ وكوبِ شاي.
دعني أُحدّثك عن واقعةٍ صغيرة، حدثت في إنجلترا في عشرينيّات القرن الماضي، وغيّرت الطبّ كلّه.
في محطّة بحوث زراعيّة، جلس عددٌ من العلماء لاحتساء الشاي. ادّعت إحدى الحاضرات — وتُدعى مورييل بريستول (Muriel Bristol) — أنّها تستطيع، بمجرّد التذوّق، أن تُميّز ما إذا كان الحليب قد صُبّ قبل الشاي أم بعده.
ضحك الحاضرون. ادّعاءٌ سخيف، أليس كذلك؟
لكن من بين الحاضرين كان عالمٌ اسمه رونالد فيشر (Sir Ronald Fisher) — أبو الإحصاء الحديث. لم يضحك. بل سأل سؤالًا غيّر تاريخ العلم:

"كيف نختبر ادّعاءها بطريقة لا تُجامل ولا تُهين؟"

ولم يبدأ من الفرضيّة الواضحة "لنرَ إن كانت صادقة". بدأ من ضدّها تمامًا: "لنفترض أنّها لا تستطيع، وأنّ أيّ إجابة صحيحة ستكون محض صدفة. كيف نُفنّد هذا الافتراض؟"
هذه هي الفرضيّة الصفريّة (Null Hypothesis). أن تبدأ من نقيض ما تُريد إثباته، وتُحاول هدمه.
أعدّ لها فيشر ثمانية أكواب — أربعةٌ صُبّ فيها الحليب قبل الشاي، وأربعةٌ بالعكس — بترتيب عشوائيّ. ذاقَتها كلّها، وأصابت كلّها.
احتمال أن يحدث هذا بالصدفة وحدها؟ واحدٌ من سبعين. عندها قال فيشر: الفرضيّة الصفريّة مرفوضة. السيّدة تستطيع فعلًا.
ومنذ ذلك اليوم، صار كلّ بحثٍ طبّيّ في العالم — حرفيًّا — يبدأ من السؤال نفسه:

"ماذا لو كان العلاج لا يعمل؟ كيف نُفنّد هذا الافتراض؟"

لا "كيف نُثبت نجاحه"، بل "كيف نُفنّد فشله". الفرق دقيق، لكنّه يُفرّق بين العلم والدجل.

ولكن لحظة — هذا المنهج ليس جديدًا.
قبل فيشر بتسعة قرون، وفي بيتٍ بالقاهرة، جلس رجلٌ تحت الإقامة الجبريّة وكتب سبعة مجلّدات غيّرت العالم.
اسمه الحسن بن الهيثم (Alhazen). وكتابه "المناظر" هو — بشهادة مؤرّخي العلم في الغرب قبل الشرق — أوّل نصّ في تاريخ البشريّة يضع المنهج التجريبيّ بصورته الحديثة: ملاحظة، فرضيّة، تجربة، استقراء رياضيّ، استنتاج.
كان يُسمّي التجربة "الاعتبار"، والممارس لها "المُعتبِر". وكان يقول إنّ من طلب الحقيقة، فعليه أن يُخاصم نفسه قبل أن يُخاصم خصومه:

"الباحث عن الحقّ ليس من يُصدّق ما قاله القدماء، بل من يُساوره الشكّ فيما يقولونه"

اسمع هذه الجملة مرّتين. فهي — قبل أن تكون منهجًا علميًّا — هي عقلٌ متواضع.
فحين تقول لك اليوم: "إنّ الطبّ يبدأ بفرضيّة العدم"، فاعلم أنّ هذه ليست بدعةً غربيّة استوردناها. هذا منهجٌ وضعه رجلٌ منّا، قبل بيكون بستّة قرون، وقبل فيشر بتسعة. ثمّ نسيناه، فأخذه الغرب، ثمّ باعنا إيّاه باسم "العلم الحديث".

فلماذا اخترع البشر التجارب المُعمّاة، إذن؟
ليس لأنّهم كرهوا "تجربة الإنسان البسيط". بل لأنّهم — مع ابن الهيثم وفيشر وغيرهما — اكتشفوا، بثمنٍ غالٍ جدًّا، أنّ ألف "جرّبتُ" لا تساوي تجربةً واحدة مضبوطة.
اخترعوا أن نُقسم المرضى مجموعتين عشوائيًّا (Randomization)، نُعطي إحداهما العلاج والأخرى وهمًا، ولا يعلم لا المريض ولا الطبيب من في أيّ مجموعة (Double-Blind). لماذا كلّ هذا التعقيد؟
لأنّهم تعلّموا أنّ الأشباح الأربعة أعلاه تخدعنا جميعًا — العالم والعامّي، الذكي والبسيط، المخلص والمنحاز. لا أحد محصَّن.
ولأنّ الإنسان — حين يجرّب على نفسه — يكون قاضيًا ومتّهمًا في القضيّة نفسها.

اعتراضٌ مشروع — لا أُريد أن أهرب منه:
قد تقول لي الآن:

"حسنًا، فهمتُ. ولكنّ الطبّ نفسه يتغيّر! كان الفصد علاجًا، ثمّ تبيّن خطؤه. وكانت الثاليدومايد (Thalidomide) دواءً آمنًا للحوامل، ثمّ شوّهت آلاف الأجنّة. وكان فيوكس (Vioxx) دواءً معتمَدًا، ثمّ سُحب بعد أن قتل آلافًا. فلماذا أُصدّق طبّ اليوم، وقد كذبَ طبّ الأمس؟"

سؤالك صادق، وأستحقّ أن أُجيبك بصدقٍ مثله:
أنت محقّ. الطبّ يُخطئ.
لكنّ الفرق بين الطبّ العلميّ وبين الطبّ الشعبيّ ليس أنّ الأوّل لا يُخطئ، بل أنّ الأوّل يعرف كيف يُصحّح خطأه.
الفصد لم يسقط لأنّ أحدهم خرج وقال "أنا أرى أنّه لا يعمل". سقط لأنّ المنهج التجريبيّ — حين نضج — اختبره، فأسقطه. الثاليدومايد لم يُسحب لأنّ أحدهم "حدسَ"، بل لأنّ المراقبة العلميّة كشفته. وفيوكس سُحب بأبحاثٍ مُضادّة، لا بفتاوى.
الطبّ، يُخطئ ثمّ يعتذر. ويُغيّر كتبه. ويسحب أبحاثه. ويُصلح نفسه بنفسه.
أمّا الذي يقول لك "كلّ ما قالوه كذب، وأنا وحدي الصادق"، فهو لا يملك آليّة تصحيح. لا يُخطئ، لأنّه لا يعترف بإمكان الخطأ. وكلّ من خالفه: عميل، أو جاهل، أو ضحيّة المؤامرة.
العلم يتقدّم لأنّه يقبل أنّه قد يكون مخطئًا. والدجل يثبت لأنّه يرفض ذلك.
ولهذا، حين أُصدّق طبيب اليوم، فأنا لا أُصدّقه لأنّه معصوم. أُصدّقه لأنّه يعمل في نظامٍ يُحاسبه، ويُراجعه، ويفتح بياناته للنقد. ولأنّه — إن أخطأ — فسيُكشف بنفس الأدوات التي أوصلته إلى ما يقول.
أمّا الذي يبيع لك "الحقيقة الكاملة" من قناةٍ على يوتيوب، دون أن يقبل أن يُراجَع أو يُختبَر، فهو لا يُعطيك علمًا. يُعطيك عقيدة بثوبٍ علميّ. والفرق بينهما هو الفرق بين الحياة والموت — حرفيًّا.

فمتى تكون تجربتك دليلًا مشروعًا، ومتى تكون فخًّا؟
أصدقك القول:
تجربتك مشروعة حين تكون مفتاحًا لسؤال، لا حين تكون مفتاحًا لإجابة.
في الطبّ المعاصر، هذا له اسم: "مولِّد الفرضيّات" (Hypothesis Generator). ملاحظة طبيبٍ ذكيّ في عيادته، أو شعور مريضٍ بتحسّن بعد علاجٍ ما، تُسجَّل وتُنشر كتقرير حالة (Case Report)، ثمّ تُختبر في دراسةٍ كبيرة. هكذا اكتُشفت أدويةٌ كثيرة. الملاحظة الفرديّة لها مكان، نعم — لكنّ مكانها هو بدايةُ الطريق، لا نهايته.
إذا قلتَ: "جرّبتُ كذا، وأظنّ أنّه نفعني، فهل يستحقّ هذا أن يُدرس علميًّا؟" — فأنت طبيبٌ صغيرٌ في نفسك، وقد فتحتَ بابًا.
أمّا إذا قلتَ: "جرّبتُ، فاستفدتُ، إذن الكلام صحيح، وكلّ من خالفني فاسد أو جاهل" — فأنت لم تفتح بابًا، بل أغلقتَ كلّ الأبواب على نفسك، وجلستَ في غرفةٍ مظلمةٍ تُسمّيها يقينًا.

وأنا، قبل أن أُطفئ النور:
أعترف أنّني أنا أيضًا أُصدّق نفسي حين أُجرّب. حين يُريحني طعامٌ ما، أظنّه شفائي. حين يُتعبني آخر، أظنّه عدوّي. عقلي يفعل بي ما يفعل بك تمامًا.
والفرق الوحيد بيننا — إن وُجد — أنّني تعلّمتُ أن أشكّ في نفسي قبل أن أشكّ في الطبّ. كما علّمنا ابن الهيثم.
وهذا، في رأيي، أوّل درسٍ في الحكمة.
أمّا الذي يثق بنفسه ثقةً لا يثقها بأحدٍ سواه، فهو لم يكتشف الحقيقة…
بل اكتشف مرآته.

19/05/2026

حين يلتقي شحرور بالطيّبات…
لماذا نحبّ مَن يقول إنّ الجميع كانوا مخطئين؟

دعني أعترف بهذا منذ البداية، قبل أن أتقمّص دور الواعظ: إنّ ما سأقوله عنهم ينطبق عليّ أيضًا. فحين أكتب مقالًا أُحلل فيه “لماذا يصدّق الناس الخرافات”، أكون في مكان خفيّ من نفسي أستمتع بإحساس أنّي فهمتُ ما لم يفهموه. وهذا، بالضبط، ما أحذّرك منه.

تذكّر هذا، ونحن نمضي.

لاحظ معي هذا المشهد المتكرّر:

رجلٌ يصعد المنبر، أي منبر لا فرق، ويقول بثقة الواثق من جهلِ مستمعيه:

“كلّ ما تعلّمتموه كان كذبًا.
كلّ المفسّرين قبلي كانوا نائمين.
كلّ الأطباء يريدون مرضكم.
وأنا… وحدي… جئتُ بالحقيقة”

فيصفّق الناس.

ولا يصفّقون لأنّه أقنعهم. يصفّقون لأنّه في تلك اللحظة بالضبط جعلهم يشعرون أنّهم فهموا. وهذا، يا صديقي، شعورٌ ألذّ من العسل .. واخطر من السّم.

ولا فرق هنا بين مَن يهدم التراث القرآنيّ بأدواتٍ بدائيّة، وبين طبيب يقول للناس إنّ السكّر صديقهم والدواء عدوّهم. الواجهتان مختلفتان، لكنّ ما يحدث في صدور من يتبعهم واحد. هذا ما يعنينا.

أولًا: العالم متعب، والمؤامرة مسكّن.

العالمُ معقّد بشكلٍ فاضح. المرض له ألف احتمال، والدواء له ألف أثر، والآية تحتاج إلى عشرين سنة من العلم لتُفهم على وجهها.

من يحتمل هذا؟

تعال نختصر: “الأدوية مؤامرة” “التراث كلّه خرافة” “السكّر مفيد” “العلماء جميعًا كانوا أغبياء حتى جئتُ أنا”

انتهت المسألة. نمّ مرتاحًا.

المؤامرة لا تبيعك معلومة، تبيعك راحة. وأنت لأنك مرهَق مستعدٌّ لدفع كلّ ما تملك من عقلٍ مقابل قليلٍ من الراحة.

ثانيًا: لذّة أن تكون “أذكى من القطيع”.

هنا تكمن الكارثة.

حين يقول لك خطيبٌ ما: “أنت لست كالعامّة، أنت من القلّة التي فهمت” فإنه لا يعطيك معلومة، بل يعطيك هويّة.

ومن يستطيع رفض هويةٍ مجّانية؟

صرتَ “مستيقظًا”. صرتَ “خارج المنظومة”. وإذا تراجعتَ عن الفكرة لاحقًا، فأنت لا تخسر رأيًا، بل تخسر صورتك عن نفسك. ومن يفعل ذلك طوعًا؟

لا أحد.

ثالثًا: من نقد السلطة إلى هدمها كلّها.

قد يخطئ طبيب. نعم.
قد يفسد نظامٌ صحّيّ. نعم.
قد يحتاج تفسيرٌ قديم إلى مراجعة. نعم.

لكنّ العقل المؤامراتيّ يقفز قفزته الشهيرة:

من “هناك أخطاء” إلى “إذن كلّ شيءٍ كذب”.
من “بعض التفاسير تحتاج مراجعة” إلى “إذن ألف سنة من العلم كانت عبثًا حتى جئتُ أنا”.

هذه ليست شجاعةً فكريّة.
هذه انتقامٌ نفسيّ من السلطة، يلبس رداء التحرّر.

رابعًا: الكاريزما تهزم البرهان.

الناس لا تفحص الحجّة، الناس تفحص النبرة.

يتحدّث بثقة؟ إذن يعرف.
يهاجم المشهور؟ إذن شجاع.
يستخدم مصطلحاتٍ غريبة؟ إذن عميق.
يخالف الجميع؟ إذن اكتشف شيئًا.

والحقيقة قد تكون: إنّه فقط… يجيد الأداء.

خامسًا: المريض يشتري الوعد السهل.

الطبّ الحقيقيّ متواضع بشكلٍ محبط:
“نحتاج تشخيصًا… متابعة… احتمالات… لا ضمانات مطلقة”

أمّا الخطيب الزائف:
“اتركوا الدواء. أنا أمنحكم اليقين”

الناس لا تصدّقه لأنّها غبيّة.
تصدّقه لأنّها متألمة.

وهنا يجب أن نتوقّف لحظة، ونمسك ألسنتنا قبل أن نسخر منهم. لأنّ الذي يصدّق هذا الخطاب ليس عدوًّا نهزمه، بل أخٌ متعبٌ نفهمه. والفرق بين الموقفين هو الفرق بين طبيبٍ ومتشفٍّ.

سادسًا: وهنا الجملة الأخطر:

في سرّ كلّ مؤمن بمؤامرة، توجد عبارة واحدة:

“أنا لا أُخدع مثلهم”

وهذه أخطر جملة قالها إنسانٌ في تاريخه.

لأنّ من يظنّ نفسه محصَّنًا من الخداع، يصبح أسهل ضحاياه.

ولأنّني أعدتُ قراءة ما كتبتُ، فأنا أوجّه هذه الجملة الآن إلى نفسي قبل أن أوجّهها إلى أحد.

فماذا نفعل، إذن؟

لا أملك وصفةً سحريّة، لكنّي أملك بدايات:

أن نتعلّم لذّة جديدة: لذّة قول “لا أعرف”. إنّ أصعب جملةٍ على لسان الإنسان المعاصر هي “لستُ متأكّدًا”، ومع ذلك فهي أكثر الجمل صدقًا في كلّ علم. مَن يستطيع أن يقولها بارتياح، يكون قد قطع نصف الطريق.

أن نشكّ في يقيننا، لا في يقين خصومنا فقط: الشكّ النافع يبدأ من الداخل. اسأل نفسك: لو ثبت غدًا أنّ هذه الفكرة التي أحبّها خاطئة، هل سأتراجع؟ إن كان الجواب “لا”، فأنت لا تملك الفكرة، الفكرة تملكك.

أن نُميّز بين النقد والهدم: نقد المؤسّسة لا يعني إسقاطها. مراجعة التراث لا تعني نسفه. هذا تمييزٌ بسيط، لكنّه حين يغيب يُنتج كلّ شحرور وكلّ طبيبٍ ش*ذ على وجه الأرض.

أن نُحبّ من يُكلّفنا، لا من يُريحنا: المعلّم الحقيقيّ يُتعبك. الطبيب الحقيقيّ يُحذرك. العالم الحقيقيّ يقول لك “الموضوع أعقد ممّا تظنّ”. أما الذي يُهديك اليقين مجّانًا، فاحذره، فهو إمّا جاهل، وإمّا تاجر.

وأخيرًا، أن نرحم الطيّبين بدل أن نسخر منهم: الذي يصدّق المؤامرة اليوم، كان من الممكن أن يكون أنا أو أنت لو سلكنا طريقًا آخر، أو وقع علينا ألمٌ آخر. ولهذا فإنّ المعركة الحقيقيّة ليست ضدّ شخصٍ بعينه، بل ضدّ التعب الذي يجعل الإنسان يبيع عقله مقابل الراحة.

أطفئ النور خلفك، من فضلك.

ولا تنسَ، قبل أن تُغلق الباب، أن تنظر في المرآة مرّة.

فلعلّك أنتَ أيضًا مصفّقٌ في مسرح ما، دون أن تعلم.

17/05/2026

جرّب أن تلاحظ هذا الأمر بهدوء.

بعد قدرٍ كافٍ من التعب، يصبح الإنسان صادقًا مع نفسه بطريقةٍ مؤلمة قليلًا… فيرى الأشياء كما هي، بعدما قضى عمرًا طويلًا يخفّف قسوتها بالكلمات.

وعندها يكتشف أن كلّ شيءٍ في هذا العالم يَعِدُه بشيء.

المال يَعِدُك بالطمأنينة.
يجعلك تشعر لبعض الوقت أنّك محميّ من قسوة الأيام. ثمّ يأتي مرضٌ لا يقرأ كشف الحساب، أو خوفٌ لا يفهم لغة الأرقام، فتكتشف أنّ النقود نافعة جدًا… لكنها لا تعرف كيف تربّت على كتفك في الليل.

والصحّة تَعِدُك بالبقاء.
تجعلك تتحرّك في جسدك كأنّه بيتٌ أبدي. ثمّ تأتيك إشارة صغيرة: ألمٌ غامض، تعبٌ لا تعرف سببه، شعرةٌ بيضاء ظهرت بلا استئذان… فتفهم أن الجسد ليس خائنًا، لكنه ليس مُلكك الكامل أيضًا. هو رفيق طريق. يتعب. يضعف. ويذكّرك، بأدبٍ قاسٍ، أنك عابر.

والنجاح؟

النجاح مسكين ومخادع في الوقت نفسه.

يَعِدُك أن ترتاح حين تصل.
فتصل، ثمّ تكتشف أنّ الراحة لم تكن هناك. كان هناك سلّم آخر. واسم آخر. وجائزة أكبر. ومقارنة جديدة. وتصفيقٌ جميل… لكنه قصير العمر، مثل عطرٍ رخيص في يومٍ حار.

كلّ شيءٍ في الدنيا يعطيك جرعة.

ثمّ يتركك بحاجة إلى جرعةٍ أخرى.

تُمدَح، فتخاف أن يتوقف المديح.
تملك، فتخاف أن تفقد.
تنجح، فتخاف أن تتراجع.
تصل، فتسأل نفسك: هل هذا كل شيء؟

هنا ينبغي أن نكون عادلين قليلًا.

الدنيا ليست شرًا.
والمال ليس تافهًا.
والنجاح ليس عيبًا.
والصحّة نعمة عظيمة، يعرف قيمتها من فقد شيئًا منها.

هذه أشياء نافعة، جميلة أحيانًا، ومطلوبة في مواضع كثيرة.

المشكلة تبدأ حين نطلب منها ما لا تملكه.

نطلب من المال أن يمنحنا الأمان المطلق.
ومن الصحّة أن تمنحنا الخلود.
ومن النجاح أن يمنحنا معنى الوجود.
ومن الناس أن يملؤوا فراغًا لا يستطيع إنسان أن يملأه.

ثمّ نغضب منها حين تفشل… مع أنّها كانت مجرد أشياء.

كؤوسًا جميلة ربما… لكنها لا تحمل الماء العذب.

ولهذا يظلّ الإنسان يشرب، ويشرب، ويشرب…

ثمّ يتساءل بدهشة بريئة: لماذا ما زلت عطشانًا؟

تأتي لحظة ما.
لحظة هادئة، لا يحدث فيها شيء عظيم من الخارج.
لكن شيئًا في الداخل ينكسر… أو يلين… أو يعود إلى مكانه.

يفهم القلب أنّه لم يكن يبحث عن مزيدٍ من الأشياء.

كان يبحث عن شيءٍ ثابت وسط أشياء تتغير.
عن معنى لا يشيخ.
عن سند لا يهرب عند أول عاصفة.
عن نور لا ينتظر تصفيق الناس كي يبقى مضيئًا.

وحين يصل الإنسان إلى هذا المعنى، لا يصبح ملاكًا طبعًا.

لا يزال يخاف.
ويحزن.
ويتعب.
ويتعلق أحيانًا بما لا ينبغي.

لكنه يصبح أقلّ ضياعًا.

يعرف أين يعود حين تتبعثر الأشياء.
يعرف أن قلبه لا يصلح أن يُترك رهينةً لراتب، أو وجه، أو لقب، أو موسم تصفيق عابر.

وحينها فقط يفهم، بشيءٍ من الحزن والرحمة لنفسه:

لقد قضيتُ عمرًا طويلًا أشرب من بِرَكٍ مالحة…

وكان بئر الماء العذب قريبًا جدًا.

أقرب مما كنت أظن.

هناك كلمات سهلة جدًا.سهلة إلى درجة مخيفة.كسولمهملما عنده إرادةمشتّتأكيد ADHDتخرج من أفواهنا خفيفة، ثم تستقر في صدر طفل ل...
15/05/2026

هناك كلمات سهلة جدًا.
سهلة إلى درجة مخيفة.

كسول
مهمل
ما عنده إرادة
مشتّت
أكيد ADHD

تخرج من أفواهنا خفيفة، ثم تستقر في صدر طفل لسنوات.
يكبر وهو يظن أن المشكلة في أخلاقه، في معدنه، في تلك القطعة الغامضة داخله التي لا تعمل كما ينبغي.
والغريب أنه يصدقنا. الأطفال يصدقون الكبار حتى حين نكون مخطئين بثقةٍ تثير الاحترام.
في السنوات الأخيرة أصبح اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ADHD حاضرًا بقوة.

وهذا ليس أمرًا سيئًا تمامًا.
بعض الناس وجدوا أخيرًا اسمًا لما أرهقهم عمرًا كاملًا.
وبعض الناس، كعادتنا نحن البشر، أحبّوا الاسم أكثر مما ينبغي، فصاروا يرونه في كل شرود، وكل واجب مؤجل، وكل طفل قرر أن يتحرك ككائن حي لا كقطعة أثاث محترمة.
المشكلة أن التشتت ليس كائنًا واحدًا.
قد يأتي من نقص الانتباه.
وقد يأتي من القلق.
من نوم مكسور.
من اكتئاب صامت.
من صعوبة تعلم.
من بيت متوتر.
من شاشة صغيرة نجحت في تربية الدماغ على الملل السريع.
وأحيانًا من طفل ذكي جدًا… لكنه تعِب من محاولة إثبات أنه ليس فاشلًا.
لهذا أضفنا في عيادات جنّتي للطب والرفاه النفسي
حزمة تقييم الانتباه الشاملة.

محاولة لفهم ما يحدث:
مقابلة سريرية.
مقاييس سلوكية.
فحص TOVA لقياس الانتباه والتحكم الاندفاعي.
وتقرير مهني يجمع الصورة بدل أن يمزقها إلى انطباعات متفرقة.
نريد أن نعرف:
هل هذا ADHD فعلًا؟
هل هو شيء يشبهه ويرتدي معطفه؟
هل يحتاج الطفل إلى علاج؟
إلى خطة مدرسية؟
إلى نوم؟
إلى تخفيف لوم؟
إلى أن يصدقه أحد أخيرًا؟
لسنا هنا لنزيد عدد التشخيصات.
ولسنا هنا لنرتجف من التشخيص لأنه صار شائعًا.
نحن فقط نحاول أن نفعل شيئًا نادرًا هذه الأيام:
أن ننظر بتأنٍّ.
عيادات جنّتي للطب والرفاه النفسي
رام الله – شارع الإرسال، عمارة الماسة، الطابق السادس
للاستفسار: 00972569808088

04/05/2026

حربٌ… لا حربٌ… ربما حرب

هناك نوع من التعب لا تجده في كتب الطب. لا يُسمّى كسرًا، ولا نزيفًا، ولا حمّى. لكنه يجلس في صدرك كضيفٍ ثقيل لم تدعه، ولا يعرف متى يغادر. اسمه، إن أردت اسمًا له، انتظار ما قد يأتي وقد لا يأتي. وهذا أسوأ ما يمكن أن يُقال لك في زمنٍ كهذا.

يقال لك إن الحرب قريبة، فتستعدّ روحك قبل أن تعبّئ حقيبتك. ثم يقال لك لا، انتهى الأمر، تنفّس، فتشعر بسذاجةٍ غريبة لأنك خفت أصلًا. ثم يعود الخبر من نافذةٍ أخرى يقول إن الأمور تتصاعد، فتكتشف أن جسدك لم يصدّق الطمأنينة الأولى أبدًا، كان فقط يتظاهر بالأدب. والأعصاب، كما تعرف جيدًا، ليست مهذّبةً إلى هذا الحدّ؛ هي تأخذ حقّها منك في الليل، حين لا يراها أحد.

علم النفس له اسم لطيف لهذه الحال يسمّيه قلق التوقّع. والاسم لطيف لأنه يخفي وراءه شيئًا أبشع: أن تعيش الكارثة مئة مرة في رأسك قبل أن تقع، ثم لا تعتذر لك أعصابك عن الليالي التي أفسدتها إن لم تقع. الجسد حين يسمع الخطر يتهيّأ بطريقته الخاصة؛ القلب يسرع، النوم يخفّ، الشهية تتبدّل، الانتباه يصير حادًا على نحوٍ مزعج. وتجد نفسك تراقب نبرة المذيع ووجوه الناس في الشارع، كأن الحقيقة كلها ستظهر فجأة من رعشة حاجب أحدهم.

لكن المسألة أعمق من القلق. التذبذب بين الخبر ونقيضه يفسد علاقتك بالزمن نفسه. تجلس مع عائلتك وجزءٌ منك ليس معهم. يأكل الأطفال وأنت تحسب المسافات. تردّ على رسالةٍ عادية وفي داخلك سؤالٌ غير عادي: هل ستبقى هذه العادية غدًا؟ تضحك قليلًا ثم تشعر أنك خنتَ الأخبار العاجلة. تهدأ ثم تتّهم نفسك بالغباء لأن الخطر قد يعود. إنها ليست حربًا واحدة، بل حروبٌ صغيرة تتكرّر داخل الرأس: حربٌ في الخبر، وحربٌ في الخيال، وحربٌ في حديث الناس، وحربٌ في صمت الأب الذي يحاول أن يبدو طبيعيًا، وحربٌ في وجه الأمّ وهي ترتّب البيت كأنها ترتّب العالم كلّه في درجٍ صغير.

وقد لا تقع الحرب في الخارج، لكن شيئًا منها يكون قد وقع في الداخل بالفعل.

والقرآن كان دقيقًا جدًا حين سمّى الخوف ابتلاءً قائمًا بذاته، فقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ﴾. لم يقل بالحرب، ولا بالموت. قال بشيءٍ من الخوف، أي بهذه القطعة الصغيرة، الناعمة، التي تتسلّل إلى البيت قبل الحدث، وتجلس بين أفراد العائلة، وتشرب من نومهم، وتترك كوبها الفارغ على الطاولة. والابتلاء هنا ليس مسرحيًا؛ لا يطلب منك أن تقف على صخرةٍ وتلقي خطابًا عن الصمود بينما معدتك من الداخل تقدّم استقالتها. الابتلاء أهدأ من ذلك، وأقسى.

الحلّ، حين تفكّر فيه، بسيطٌ إلى درجة أننا نمرّ عنه باحتقار المثقّفين للأشياء النافعة. أن تبحث عن الممكن، وترتّبه. لا تبحث عن الغيب حتى تنكسر؛ الغيب ليس نشرةً إخبارية متأخّرة. ولا تجلس طوال اليوم أمام الاحتمالات كمن ينتظر أن تمنحه الفوضى جوابًا أخيرًا، فالفوضى، كما نعرفها جيدًا، لا تملك أخلاقًا حسنة. اسأل سؤالًا أصغر، لكنه أنفع: ما الذي أستطيع ترتيبه الآن؟ ثم رتّبه، بهدوءٍ وبلا مسرحية، حتى تستطيع أن تقول في آخر اليوم: فعلتُ ما أقدر عليه. هذه الجملة وحدها تكفي لتعيد إلى عقلك إشارةً واضحة بأنك لستَ عاجزًا بالكامل. لا تملك الحرب، لكنك تملك أن تجهّز الدواء. لا تملك القرار السياسي، لكنك تملك ألّا تدير الإشاعةُ بيتك. لا تملك الغد، لكنك تملك أن تُطمئن طفلك هذه الليلة.

هذا هو الفرق الحقيقي بين الاستعداد والانهيار. الاستعداد فعلٌ في دائرة القدرة، والانهيار دورانٌ في دائرة العجز. والقرآن حين يأمر بالأخذ بالأسباب والتوكّل، لا يدعونا إلى وَهْم السيطرة الكاملة، بل إلى أدب الإنسان أمام ما يملك وما لا يملك. تربط الناقة، ثم لا تقضي الليل كلّه تسألها إن كانت تؤمن بجودة العقدة.

في النهاية، اليقين ليس أن تعرف تفاصيل الغد. اليقين أن الغد، مهما جاء، ليس خارج سلطان الله. ولذلك حين يتأرجح العالم حولك بين ستكون حرب، ولن تكون حرب، وربما تكون حرب، لا تجعل روحك تتأرجح معه في كلّ مرة. خَف قليلًا، فهذا طبيعي ويليق بك كبشرٍ لا كتمثال. لكن لا تمنح الخوف منصب المدير العامّ لحياتك. ففي زمن الاحتمالات الثقيلة، ليست النجاة أن نعرف كلّ ما سيحدث، بل أن لا نخسر أنفسنا ونحن ننتظر ما سيحدث.

ابقَ هنا. حاضرًا. مرتّبًا قدر استطاعتك. متوكّلًا دون ادّعاء. وخائفًا أحيانًا. ثم امضِ، بشيءٍ من الحذر، وشيءٍ من الدعاء، وشيءٍ من السخرية الضرورية كي لا يأخذ الخوف نفسه على محمل الجدّ.

26/04/2026

حين يصير الوجع عادة

إنّ أصعبَ ما في المأساة ليس وقوعها. الأصعب أن تعتاد عليها. تظنّ في البداية أنك ستنكسر، وأن قلبك لن يحتمل، وأنك ستبقى تبكي إلى الأبد.
ثم تكتشف، بعد شهرٍ أو شهرَين، أنك تأكل، وتضحك، وتُكمل يومك، والكارثة في مكانها لم تتزحزح. لا تظنّ أنك صرتَ قاسيًا. أنت فقط نفسٌ منهَكة، تعلّمتَ كيف تعيش بجوار جرحٍ مفتوح من غير أن تموت كلَّ صباح.

نحن لا نتبلّد لأننا لا نعرف. نتبلّد لأننا نعرف أكثر مما نحتمل. نقرأ الخبر فلا تتحرّك ملامحنا، ونسمع الرقم فلا يهتزّ شيءٌ في الداخل، ثم نشعر بالذنب لأننا لم نشعر.

والحقيقة أن أحدًا لم يُعلّمنا أن الطريق طويل، وأن ثمار الحقّ لا تُقطف في موسمٍ واحد، وأن من يحمل قضيةً كبرى لا يُقاس بقدر بكائه، يُقاس بقدر صبره الطويل، الطويل، الطويل.

﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. آيةٌ تُلخّص ما يحدث في الداخل أكثر من أيّ تحليلٍ نفسي. الزمن إذا مرّ على القلب من غير أن نُجدّد له معناه يُؤكِله.

والذي يقتلنا ليس الكارثةَ نفسها، يقتلنا أن نُترك معها وحدنا، من غير ميزانٍ نُعيد به ترتيب أيامنا، ومن غير غايةٍ تُذكّرنا أن لكلّ هذا التعب مآلًا.

الذين يحملون قضيةً ممتدة في الزمن لا يُحفظون بحرارةٍ موسمية، يُحفظون بقلبٍ تعلّم كيف يبقى حيًّا تحت طول الأمد. وحينها فقط يصير الوجع وقودًا، لا حملًا يُطفئنا. حتى لو لم نكن نحن من يرى النصر.

15/04/2026

أنت لست مجموع أزماتك ولا مجموع رغباتك. أنت قصة أكبر. ولك أصل ولك وجهة ولك امتحان ولك ميزان ولك مصير ...

14/04/2026

وهم المنقذ ..

أعرف شخصًا كهذا .. ربما تعرفه أنت أيضًا .. ربما أنت هو.
يحمل همَّ الآخرين كأنه همُّه .. يسهر على ألمهم كأنه ألمُه.
ويمدّ يده بكل ما فيه، لأن قلبه ببساطة كبيرٌ جدًا على صدره.

هذا الإنسان لا عيبَ فيه .. هذا واضح.
العيب في الفكرة التي تسكنه:
أن حبّه وحدَه يكفي.
أن تضحيته وحدَها تُغيّر.
أن وجوده وحدَه ينقذ.
علم النفس يسمّي هذا: وهم المنقذ.
وهو وهمٌ محترم، بالمناسبة .. يسكن أطيب الناس وأكثرهم رحمة.

الحقيقة التي تؤلم برفق:
التغيير يحتاج صاحبه .. الإنقاذ يحتاج من يقرر أن يُنقَذ.
وأنت — مهما أعطيت — لا تستطيع أن تقرر بدلًا عن أحد.
هذا ليس تقصيرًا منك.

الحدود التي ترسمها لنفسك، التي يؤلمك رسمُها أحيانًا، هي ما يُبقيك قادرًا على العطاء غدًا.

مدّ يدك.
أبقِها ممدودة ما استطعت.
لكن اعرف أن بعض الناس يختارون عدم التغيير، وأن اختيارهم هذا لا يعني أنك أخطأت.

04/04/2026

تعبت.
هذه هي الكلمة الصحيحة.
لا “أشعر ببعض الإرهاق”، ولا “الأمور صعبة قليلاً”.
تعبت. فقط.
أعرف هذا النوع من التعب.
جلس أمامي كثيرون يحملونه.
عيونهم طبيعية، وكلامهم منطقي، وضحكتهم في محلها أحياناً.
لكن ثمة شيئاً ما .. خلف كل ذلك .. قد أُطفئ.
لا تسألني كيف أعرف.
أعرف فقط.
في البداية كانت الروح تركض مع كل شيء.
مع الصورة، ومع القصف، ومع التحليل، ومع الخبر العاجل الذي يُلقى في وجهك قبل أن تكمل قهوتك.
كان الألم حقيقياً، ونظيفاً، وكاملاً.
كنت تبكي وتعرف لماذا تبكي.
كنت تغضب وتعرف على من تغضب.
كانت المشاعر لها عناوين.
ثم جاء يوم، لا تذكر متى بالضبط.
صارت الأخبار تصلك كما تصل فاتورة الكهرباء.
تقرأها، تعرف ما فيها، تضعها جانباً.
من غير دموع. من غير ارتجاف.
فقط… تعرف.
وحين لاحظت هذا في نفسك، ربما خفت.
قلت في سرك: هل أصبحت إنساناً بلا قلب؟
هل نسيت؟
هل تغيّرت؟
لا.
ما حدث أبسط من ذلك وأعمق في الوقت نفسه.
روحك قررت، بقرار صامت لم يُعلنه أحد، أن تخفف الحمل قليلاً حتى لا تنهار.
بدأت تعيش خلف زجاج رقيق.
تتابع من بعيد.
تتلقى دون أن تفتح كل الأبواب.
وهذا الزجاج ليس قسوة.
وليس خيانة لمن يتألمون.
هو آخر ما تملكه النفس حين تريد أن تبقى حية.

المشكلة أن اللحظة الحاضرة تتضخم في النفس حتى تبدو كأنها كل الزمن.
الحرب لا تبدو حرباً في تاريخ طويل، بل تبدو كأنها التاريخ كله.
والخطر لا يبدو مرحلة عابرة، بل يبدو مصيراً مختوماً لا باب له.
والغموض لا يبدو حالة مؤقتة، بل يبدو سقفاً أبدياً فوق الرأس.
وحين تبتلع اللحظة كل الزمن، يختنق الإنسان.
لأنه لم يعد يرى ما قبلها، ولا ما بعدها.
يرى فقط هذا — الآن — وكأنه الصورة الأخيرة للعالم.

وهنا في هذه النقطة بالذات يتكلم القرآن.
ليس بخطبة.
ليس بعظة تشعرك بالذنب لأنك تعبت.
يتكلم بمشهد.
يقول: انظر.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾
قف عند هذا الرقم قليلاً.
ألف سنة إلا خمسين.
تسعمائة وخمسون عاماً.
تسعمائة وخمسون عاماً من الدعوة، والسخرية، والوحدة، والصبر الذي لا يرى نتيجة.
كل جيل يأتي ويذهب وهو يرفض.
كل طفل يكبر ليصبح خصماً.
كل أمل يبزغ ليخبو.
ونوح عليه السلام واقف، ما زال واقفاً، وما زال يتكلم.
ثم — بعد كل هذا — سطر واحد:
﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾
تسعمائة وخمسون عاماً، وسطر واحد.
كأن القرآن يجلس أمامك ويقول بهدوء عتيق:
ما يبدو لك كأنه لن ينتهي أبداً،
هو في ميزان الله صفحة تُطوى.

ثم يضيف القرآن ما يُسكت ضجيج اللحظة كلها:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾
كل شيء عائد إلى حجمه.
الطغيان عائد.
الخوف عائد.
هذه اللحظة الثقيلة عائدة إلى حجمها الحقيقي.
فكيف تستبد بك وهي نفسها محكومة بالفناء؟

ثم يفعل القرآن شيئاً لا أملّ من التأمل فيه.
لا يكتفي بالعزاء، يأخذك إلى النافذة ويقول: انظر إلى الكون من حولك.
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾
هذا ليس كلاماً للتسلية.
هذا قانون.
قانون التغير.
لا شيء في هذا الكون يبقى على حاله.
الأرض الميتة تحيا.
الليل يصبح صباحاً.
والضعف يصبح قوة، قبل أن يعود ضعفاً من جديد.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾
أنت نفسك لم تبقَ على حال واحدة يوماً.
جسدك يتبدل.
عقلك يتبدل.
حتى جرحك القديم تبدّل، ذاك الذي ظننت يوماً أنه لن يُحتمل.
فكيف تتوهم أن لحظة واحدة ستبقى متجمدة فوق صدرك إلى الأبد؟

والبرق.
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرِيَكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾
خوفاً وطمعاً في آنٍ واحد.
الشيء الواحد يحمل التهديد والرحمة في اللحظة ذاتها.
المطر الذي تخشاه هو نفسه الذي ستشكره.
وهذا ما تنساه الروح حين تتعب:
أن المشهد لا يكتمل من زاوية واحدة.
وأن حبس البصر في جانب واحد هو وصفة مضمونة للاختناق.

ثم تأتي الآية التي أجدني أعود إليها كثيراً:
﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾
الله لا يقول: الأرض آمنة.
يقول: الأرض واسعة.
الضيق الذي يحيط بك ليس هو كل الوجود.
هذا الخناق ليس كل الأفق.
ثمة اتساع ما زال قائماً، حتى حين لا تراه.

وحين تتراكم كل هذه الآيات في القلب،
يأتي الأمر الأخير:
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾
لا يستخفنك.
الاستخفاف أن تُنتزع من ثقلك وعمقك وميزانك.
أن يجعلك صخب اللحظة وضجيج الخائفين تتحرك بلا اتجاه.
أن تتشكّل على صورة الهلع المحيط بك، بدل أن تبقى على صورتك أنت.
الصبر هنا ليس صمتاً.
الصبر أن تبقى أنت.
أن تظل قادراً على أن ترى ما وراء الحاضر.
أن لا تسمح للحظة، مهما ارتفع ضجيجها، أن تعيد تعريف العالم كله من حولك.

إن كانت الأخبار قد أثقلتك، فلا تعاقب نفسك.
وإن كان وجدانك قد بدأ يقتصد في التفاعل، فلا تسمّه موتاً.
ربما كانت روحك تفعل الشيء الوحيد الذي عرفت كيف تفعله:
تحاول أن تبقى.
والبقاء في مثل هذه الأيام ليس هرباً.
البقاء .. عبادة.

Address

Alirsal Street
Ramallah
71935

Opening Hours

Monday 10:00 - 17:00
Tuesday 10:00 - 13:00
Wednesday 10:00 - 17:00
Thursday 10:00 - 12:00
Saturday 10:00 - 17:00

Telephone

+970569808088

Alerts

Be the first to know and let us send you an email when الدكتور محمد الخواجا - طبيب نفسي posts news and promotions. Your email address will not be used for any other purpose, and you can unsubscribe at any time.

Contact The Practice

Send a message to الدكتور محمد الخواجا - طبيب نفسي:

Shortcuts

Share