22/05/2026
عن طيورٍ لم تكن، وعن مرضى يصلون متأخّرين
من يعرفني، يعرف أنّي لا أنجرّ خلف التريندات. الصمت غالبًا أنفع.
لكنّ ضحايا “نظام الطيّبات” بدأوا يصلون. إلى عيادتي، وإلى عيادات زملائي في كلّ تخصّص. مرضى تركوا أدويتهم، أوقفوا علاجاتهم، استبدلوا الطبّ بمنشوراتٍ على الإنترنت، ووصلوا متأخّرين. بعضهم كان يمكن، ببساطة، تجنّب ما حدث له.
وفي بلدٍ مثل بلدنا، كأنّنا ينقصنا حِمل.
لذلك أكتب. ليس متابعةً للضجّة، بل من حاجة، ومن استغراب، ومن تعبٍ صادق.
اجلس. خذ نفسًا. القصّة طويلة قليلًا، لكنّها تستحقّ الصبر .
في عام 2017، في ولاية أركنساس الأمريكيّة، كان شابٌّ في العشرين من عمره اسمه بيتر ماكيندو (Peter McIndoe) يمرّ بالصدفة وسط مسيرة سياسيّة.
ومن باب الملل والدعابة الارتجاليّة، أمسك بقطعة كرتون فارغة، وكتب عليها عبارةً عشوائيّة، خرجت من رأسه دون تفكير:
“الطيور غير حقيقيّة”
تجمّعت حوله الكاميرات. فقرّر أن يُكمل المزحة. اخترع نظريّةً كاملة، على الهواء، يقول فيها:
“الحكومة الأمريكيّة أبادت كلّ الطيور الحقيقية بين عامَي 1959 و1971، واستبدلتها بطائراتٍ مُسيَرة (Drones) متطوّرة للتجسّس على المواطنين. الطيور تقف على أسلاك الكهرباء لا للراحة، بل لشحن بطاريّاتها. وفضلات الطيور على السيّارات؟ ليست فضلات. هي أجهزة تتبّع سائلة”
كان يضحك في داخله. أراد أن يرى إلى أين تذهب اللعبة.
ذهبت اللعبة بعيدًا جدًا.
انتشرت الحركة في الإنترنت كالنار في الهشيم. وُلدت صفحاتٌ بملايين المتابعين. صنع الشباب لافتاتٍ، وقفوا في الشوارع، نزلوا في مظاهرات. اشتروا تيشيرتات. صار للحركة شعارٌ ومانفستو وفروعٌ في الجامعات.
كان السؤال الواضح: هل يصدّقون فعلًا أنّ الطيور غير حقيقيّة؟
بعضهم نعم. بعضهم بدأ مازحًا ثمّ انجرف. لكنّ المهمّ هو ما حدث بعد ذلك.
في أواخر عام 2021، قرّر بيتر أن ينهي اللعبة.
كانت قد بلغت من النجاح حدًّا أخافه. ملايين الشباب يسيرون وراء فكرةٍ خرجت من رأسه على الرصيف قبل أربع سنوات. فخرج في مقابلة رسميّة مع صحيفة النيويورك تايمز، وبرنامج 60 Minutes الأمريكيّ الشهير، وقال للعالم — بشخصيّته الحقيقية، بصوته الحقيقيّ، أمام الكاميرا:
“كلّ هذا كان كذبة. أنا أؤمن أنّ الطيور حقيقيّة. الحركة كانت مزحةً ساخرة (Parody) أردنا بها أن نُري الناس كيف تنمو نظريّات المؤامرة وتغسل العقول في عصر الإنترنت. أرجوكم، توقّفوا. الطيور حقيقية”
اعتراف. صريح. علنيّ. مُسجَّل. على أكبر منصتَين إعلاميّتين في أمريكا.
ماذا كان ردّ أتباع الحركة؟
هل قالوا: “آه، فهمنا، شكرًا لك يا بيتر، اعتذرنا”؟
لا.
قال بعضهم: “بيتر تعرّض للتهديد من المخابرات الأمريكيّة (CIA). الحكومة هدّدت عائلته بالقتل ليُسكتوه. هذا ليس اعترافًا، هذا ابتزاز”
وقال بعضهم حرفيًّا : “بيتر الذي ظهر في التلفزيون ليس بيتر الحقيقيّ. لقد قتلوه واستبدلوه بنسخة مُستنسَخة (Clone) منه، ليُخرس الحقيقة”
والباقون قالوا: “إنّه ضحيّة. كلّما اعترف، ازداد يقيننا أنّ النظريّة صحيحة”
تأمّل ما حدث.
حتى اعتراف صاحب النظريّة نفسه، بصوته، بوجهه، أمام العالم، لم يستطع أن يهدمها.
لأن الأتباع دون أن يدروا كانوا قد بنوا نظامًا فكريًا مُحصَّنًا من كلّ نقد ممكن. أيّ شيءٍ يحدث، يُفسر داخل النظام ليؤكّده.
سمّى فيلسوف العلوم كارل بوبر (Karl Popper) هذا النوع: نظريّات غير قابلة للتفنيد (Non-falsifiable Theories). وقال إنّها ليست علمًا، مهما تظاهرت. لأنّ النظريّة العلميّة يجب أن يكون لها سيناريو واحد — واحد فقط — لو حدث لانهارت.
نظريّة الجاذبيّة: ارمِ تفّاحة، لو طارت، انهارت النظريّة.
“الطيور غير حقيقيّة”: لا شيء يهدمها. ولا حتى اعتراف مخترعها.
علماء النفس يُسمّونها الأنظمة المعرفيّة المغلقة (Closed Epistemic Systems): غرفٌ مظلمة، أبوابها مُغلقة من الداخل، يدور فيها صاحبها حول نفسه ويُسمّي ذلك يقينًا.
والآن، إلى الأسئلة التي تصلني كلّ يوم:
لو ناظره الأطبّاء وأفحموه سيقال: “أُسكت بضغط الزملاء”
لو لم يناظروه يقال الآن: “لماذا لم يناظروه؟”
هاجموه في حياته “اضطهدوه”
هاجموه بعد موته “جُبنٌ وتشفٍّ”
أيّده طبيب “صادق”
عارضه طبيب “خائفٌ على موقعه أو مأجور”
انتشرت نظريّته “إذن صحيحة”
لم تنتشر بين الأطبّاء “إذن يطبّقونها سرًّا”
أتُلاحظ ما يحدث؟
كلّ شيء يدعم النظريّة. كلّ شيء. حتى نقيضه.
بل — وهنا الأخطر — لو خرج الرجل قبل موته بفيديوٍ يعتذر فيه ويقول “كلّ ما قلتُه كان خطأً، أرجو ألّا يتبعني أحد”، ماذا كان سيقال؟
سيقال— كما قال أتباع بيتر تمامًا — : “لقد ضغطوا عليه. هدّدوه. اشتروه. ربما لم يكن هو”
هذا طيرٌ غير حقيقيّ.
ولا أقول ذلك تهكّمًا. أقوله تشخيصًا.
لا أطلب منك أن تُغيّر رأيك. هذا شأنك.
أطلب منك شيئًا واحدًا، صغيرًا، صعبًا:
ضع لنفسك سيناريو واحدًا — واحدًا فقط — كان سيجعلك تشكّ.
ماذا كان يجب أن يحدث لتقول “ربّما كان مخطئًا”؟
إن وجدتَ جوابًا، أهلًا بك في العلم.
وإن لم تجد — إن كان كلّ شيءٍ يدعم نظريّتك، حتى نقيضها، حتى اعتراف صاحبها — فاعلم أنّك لا تؤمن بطبٍّ بديل.
تؤمن بأنّ الطيور غير حقيقيّة.