18/08/2026
صيادو السلطعون (أو «الكابوريا» كما نسميها في بلادنا) يعرفون قاعدة مهمة في التعامل مع هذا الكائن القشري..
إذا وضعت سلطعونًا واحدًا في سلة، يجب أن تحكم إغلاقها وإلا هرب.
لكن إذا وضعت مجموعة منها في السلة ذاتها يمكنك تركها مفتوحة ثم الذهاب لاحتساء قهوتك بسلام؛ فلن يتمكن أحدهم من الهرب.
كلما حاول أحدها التسلق نحو حافة النجاة، امتدت مخالب الرفاق لتجذبه إلى القاع بلا رحمة.
هم لا يفعلون ذلك بخطة مسبقة أو وعي شرير..
هي غريزة مشوهة توجد في تجمعات هذه الكائنات..
وفي كثير من الكائنات!
غريزة خلاصتها = «إذا كنا سنغرق، فلنغرق جميعًا في هذا الوحل».
هذه الظاهرة تصف واحدًا من أعقد أمراض البشر النفسية والاجتماعية يعرفها العلماء بـ «عقلية السلطعون» (Crab Mentality).
في ميزان الطب النفسي، لا ينبع هذا السلوك دائمًا من رغبة واعية في الإيذاء..
أحيانا يكون مجرد مسلك دفاعي لا شعوري تطلقه «عقلية الندرة».
عقلية تصور أن نجاحك يمثل لهم تهديدًا، ومرآة قاسية تعكس عجزهم وتذكرهم بما فشلوا في بلوغه. لذا، يتحول إحباطهم إلى طاقة سحب لزجة، وظيفتها الوحيدة = إعادتك إلى حظيرة الفشل الدافئة.
في سورة غافر مشهد يصف بدقة هذه العقلية المعيبة والمعيقة..
حين يقف مؤمن آل فرعون وحيدًا في قاع هذا المستنقع المظلم.
رجل واحد يتسلق بجهد نحو حافة النجاة، بينما تمتد حوله آلاف المخالب لتجذبه إلى قاع مشتعل.
يلخص هذا العبث الوجودي كله في صيحة تقطر مرارة ودهشة لا تنقضي..
﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾.
تأمل هذه المفارقة التي تتناسل في كل زمان.
تمتد يده لتنتشلهم من الغرق، فتلتف أياديهم حول عنقه ليغوص معهم.
يكسر زجاج النافذة ليدخل هواء نقي، فيصرون على جره إلى زاويتهم الخانقة.
هذه هي الضريبة القاسية لأن تكون يقظًا في بيئة تعاهدت على النوم.
والنائمون لا يزعجهم شيء قدر اليقظة.
يقظته تفضح كسلهم، ويقينه يعري شكوكهم، ونجاته تكشف سوءة غرقهم الاختياري.
لهذا، يصبح كتم أنفاسه وإسكات صوته أهم عندهم من البحث عن الحقيقة ذاتها.
يستمر الرجل المؤمن في تفكيك شروط هذه المساومة البائسة
﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾.
الباطل مقامر وقح؛ يطلب منك دائمًا أن تضع يقينك كله على طاولة الرهان، مقابل سراب لا تملك عليه دليلًا واحدًا.
يطالبك بالتنازل عن الإيمان بالخالق «العزيز» الذي يملك القوة المطلقة، و«الغفار» الذي يمحو الزلات، ليعطيك في المقابل لا شيء..
مجرد أصنام بأسماء براقة:
قوة أو مال، أو رضا أناس تخشى أن تُطرد من جنتهم.
ثم يسدد المؤمن ضربته القاضية التي تنهي النقاش:
﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾.
«لا جرم»..
كلمة حاسمة كشفرة حادة تحمل حقًا ويقينًا لا يقبل الجدل.
هذا الوهم الذي تدعونني إليه، سواء كان صنمًا من حجر أصم في معبد، أو صنمًا من مكانته وعلاقاته = هو هيكل ميت لا يملك لك طوق نجاة حين تقف وحيدًا ترتجف في العراء يوم القيامة كما لا يملك لك نفعا ولا ضرا في هذه الدار..
ثم يعلن المؤمن تلك القاعدة الختامية التي تتهاوى معها بقية الأوهام:
﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾.
الرحلة ستنتهي لا محالة..
وكلنا عائدون إليه..
وثمة من يسرف في حرق عمره، ويبدد فرص النجاة..
يسرف في العناد، وفي تجاهل رسائل مولاه التي تصله باستمرار فيمزقها مدعيًا أنه لم يقرأها.
المسرف هو كائن استنفد رصيده من الوقت والإنذارات حتى لم يتبق في يده سوى فاتورة الحساب.
وهذا المسرف لن تستسلم مخالبه بسهولة..
كلما حاولت الصعود نحو الضوء، ستلوح تلك المخالب في الهواء لتجذبك إلى الأسفل.
وسيصنعون قاموسا كاملا لكسر إرادتك وإبقائك في القاع.
سيسمون محاولتك النجاة جنونا ويقظتك تفلتا، ورغبتك في التنفس تمردا على المألوف.
ثم تبرز تلك الأيادي التي تمتد إليك في العتمة وتظن لوهلة أنها امتدت لتنتشلك، فتبسط لها يدك بامتنان.
ثم تكتشف بمرارة أنها لا تعبأ بإنقاذك.
هي مجرد أيادٍ تبحث عن رفيق إضافي يؤنس وحشتها في القاع البارد ولا تريد منك إلا أن تشاركها الاختناق لتبدو الهزيمة وكأنها قدر محتوم.
لكن المشهد لا ينتهي هنا.
نحن لسنا قشريات محبوسة في سلة صياد.
نحن نمتلك شيئا لا تدركه تلك الكائنات التي تحركها غريزة الخوف المحض.
نمتلك الروح.
والروح التي تعانق اليقين تنبت لها أجنحة.
لذلك مهما تكاثرت المخالب حولك، ومهما اشتدت قوة الجذب نحو الوحل، يظل الإنسان قادرا على النجاة.
الأمر يحتاج فقط إلى إرادة ترفض الاستسلام لجذب المخالب.
ويقين أنها لا تملك أن تكبل على من قرر أن يحلق نحو السماء.
- محمد على يوسف
#انهض